الدكتور يشقّ والممرض يخيّط

27 مايو 2020
أقرت السيدة حنان بأن مبدأ (الحديث يجر بعضه) الذي نتبعه في سهرات الإمتاع المؤانسة جميل وممتع. ونوهت إلى حكاية سمعناها من الأستاذ كمال، عن الفنان "أبو عمر" الذي كان عم يعزف على العود ويغني في سهرة أقيمت في منتزه عائلي بمنطقة اسمها "العَلَّاني" واقعة بين سلقين وجسر الشغور..

وكان ثمة صبية جميلة جالسة مع أسرتها إلى إحدى الطاولات، فطربت لعزف أبو عمر وغنائه، فوقفت وصارت ترقص، فبلغ أبو عمر أوج السرور والسلطنة فقام والعود في يديه وصار يرقص معها.. وبعد ذلك توقفت الصبية واستأذنت منه وقالت له: أنا اسمي سارة.. وغادرت.. وعلى إثر تلك السهرة تغيرت حياة أبو عمر وصار يُعرف بين أصدقائه بلقب "أبو ساري"، نسبة إلى "سارة"!

تسلّم كمال الحديث من زوجته حنان، وقال إننا غيّرنا طبيعة القصص والحكايات في سهرتنا بسبب رمضان، أعاده الله على الجميع بالخير، وقد صار بمقدورنا الآن أن نرجع إلى حكايتنا الأصلية، فقد كنا نحكي (قبل رمضان) عن طقوس المرض في محافظة إدلب في الزمن البعيد.

أبو المراديس: إدلب في الستينات والسبعينات والتمانينيت كان فيها أربع أو خمس دكاترة.. ورغم ضخامة حجم المحافظة واكتظاظها بالسكان كان العدد يزيد تلات أربع دكاترة في السنة، وكلهم تقريباً دارسين طب عام، بدون اختصاص.. المهم لما بتدخل عيادة أي طبيب بتلاقيها مزدحمة بمرضى من المدينة والريف. لو كان في يوميتها أوبئة سريعة الانتشار متل "كورونا" كان جلوس الزباين في غرفة الانتظار تحول إلى مركز أساسي لانتشاره!


أم الجود: صح، من كام يوم في واحد راح على مجلس عزاء في مدينة تركية، وكان مصاب بالكورونا، وانعدى منه 42 واحد!

أبو الجود: هه هه.. مرتي صايرة عم تتابع الأخبار وبتفهم بالعدوى.

أبو المراديس: واللي كانوا يراجعوا الطبيب (أو الحكيم) في محافظة إدلب بهديكه الأيام قلة قليلة من الناس، لأن هيك زيارة بتكلف مصاري، المريض لازم يدفع أجرة المعاينة من جهة، وقيمة الدوا اللي لازم يشتريه من الصيدلية فيما بعد.. وأنا مرة قريت قصة جميلة جداً لأستاذنا حسيب كيالي. في القصة رجل لما بيحكي عن صيدلي البلدة بيسميه (أبو الوجه الناشف)، ليش؟ قال لأنك بتروح لعنده ومعك وصفة (راشيتة) فيها أدوية قيمتها ليرة وفرنك، مثلاً.. وبتقول لحالك راح أعطيه ليرة، وأكيد راح يسامحني بالفرنك، لكن هوي ما بيقبل، وبينظر لك نظرة بتعبر عن وجهه الناشف، وبيقلك: (بدك تدفع الفرنك قبل الليرة، بدنا نعيش). وبتقول لحالك: بده يعيش؟ الله لا يوفقه، كأنه عيشته كلها متوقفة على فرنك!

أبو زاهر: على ذكر الأديب المرحوم حسيب كيالي أنا قريت له قصة في مجموعته القصصية "نعيمة زعفران" عنوانها "يفتح وتعال يا سليم رَجّعْ". القصة بتحكي عن ممرض اسمه سليم، بيروي لرفقاته إنه الطبيب اللي بيشتغل عنده بيفتح بطن المريض وبيعمل له عملية جراحية، ولما بينتهي من العمل الجراحي بيترك المريض متسطح على طاولة العمليات وبيمشي، وبيضطر سليم يرجّع المصارين والأمعاء لمكانها ويخيط البطن. وبيقول لرفقاته: الله يسامحه الدكتور عبد السلام، طول النهار بيفتح بطون، وتعال بقى يا سليم رَجّعْ كل شي لمكانه!

أبو المراديس: أنا بعرف كل ملابسات هاي الحكاية. الأستاذ حسيب في آخر حياته كان مقيم في مدينة دبي. عاش فيها من سنة 1981 لغاية سنة 1993 وتوفي ودفن هناك. معظم أصدقاء الأستاذ حسيب كانوا بيعرفوا اهتمامه الشديد بمدينة إدلب، وإنه طول عمره بيكتب عنها وعن بيئتها الاجتماعية، لذلك كان كل إدلبي يزوره في بيته بدبي يحكي له عدد من القصص والحكايات والنهفات اللي كانت تصير في إدلب مسقط رأسه، وهوي كان يهتم فيها، ويحفظ القصص الظريفة منها، ويكتب عنها.

كمال: وأنا كمان بعرف الأجواء اللي اشتق منها الأستاذ حسيب القصة. بالمناسبة: الممرض اللي كتب عنه الأستاذ حسيب قصة "يفتح وتعال يا سليم رَجّعْ"، إسمه الحقيقي "سلمون"، وهوي مو ممرض ولا بيفهم بالتمريض.

أبو محمد: دقيقة. أنا هلق ما عدت إفهم. سلمون مو ممرض؟ لكان أشو هوي بالضبط؟

كمال: سلمون يا عمي أبو محمد ولد غبي، نص أجدب، بعته أبوه حتى يتعلم في المدرسة، ومن كتر غباؤه وسماكة مخه حاول تنين أو تلاتة من المعلمين يستقيلوا احتجاجاً على بقاؤه في المدرسة، كان الواحد منهم يروح لعند المدير ويسلمه الطباشير والعصاية ودفتر التفقد ويقول له: إما أنا في هالمدرسة أو التلميذ سلمون، واحد منا لازم يترك.

المهم إنه مدير المدرسة اللي كان عم يتعلم فيها السيد سلمون، بعد ضغوط مستميتة على المدير من طرف المعلمين، عمل اجتماع طارئ لمجلس إدارة المدرسة، وأخدوا قرار فصله بالإجماع. ولما عرف الآذن أبو نمر إنه سلمون فُصل من المدرسة راح ركض لعند المدير وترجاه إنه يحط اسمه بين أعضاء مجلس الإدارة ويسمح له يوقع ع القرار. المدير اعترض، فصار أبو نمر يترجاه ويقله: يا أستاذ بترجاك ببوس إيدك خليني إكسب شرف التوقيع على قرار فصل سلمون!

المدير ضجر منه وقال له: يا أبو نمر لا تنسى إنك آذن، والمحضر الخاص بفصل التلميذ ما في مكان لتوقيع الآذن.

رد عليه: بوقع على المغلف من بره. المهم إنه نخلص من سلمون الطشنة!

أبو محمد: كل هالبهامة وعامل حاله مساعد طبيب جراح؟

كمال: عامل حاله ممرض وهون مصدر الطرافة في القصة. وكمان في شغلة ولا واحد من حضراتكم بيعرفها. وبعتقد إنها صالحة لحتى نقفل فيها القصة تبعنا. يا عمي أبو محمد الطبيب اللي كان سلمون يشتغل عنده لما كان في الجامعة كان مفكر يترك كلية الطب وينتقل لكلية تانية من كتر خوفه من دروس التشريح! وأصعب الدروس اللي مرت عليه في الجامعة هيي دروس الجراحة العامة. والممرض الكذاب سلمون لما روى القصة لأصدقاؤه زعم إنه الدكتور طول النهار بيفتح بطون، وبيطلب منه يرجع كل شي لمحله!

(للقصة بقية)
تعليق: