الداي حسين والقدَر الفرنسي: سجالات السينما والتاريخ والتطبيع

12 سبتمبر 2018
الصورة
(ديبارديو خلال تصوير فيلم "أحمد باي"، جمال حاج عيسى)
+ الخط -

ظلّ اسم الداي حسين (إزمير 1773 ـ الإسكندرية الإيطالية 1838)، آخرِ حكّام الجزائر في العهد العثماني (1518 ـ 1830)، أكثر الأسماء تداولاً بين أسلافه على ألسنة الجزائريّين، لارتباطه بـ "حادثة المروحة" الشهيرة؛ إذ تروي كتب التاريخ أنه لوّح بمروحته بطريقة وُصفت بالمهينة في وجه القنصل الفرنسي بيار دوفال سنة 1827، فاتُّخذ تصرّفه ذريعةً للاحتلال الفرنسي الذي سيستمرّ مئة واثنين وثلاثين عاماً.

حظي الرجل بـ "تكريم" من سلطات الاحتلال الفرنسي، بأن أطلقت اسمه على أحد أبرز أحياء مدينة الجزائر، وعلى إحدى أكبر محطّات القطارات فيها، بعد أن سلّم لها المدينة ووقّع وثيقة الاستسلام إثر معركةٍ سريعة خاسرة.

غادر الداي حسين الجزائر، بعد أيام قليلة من احتلالها، حاملاً كلّ ممتلكاته المنقولة نحو فرنسا طالباً لجوءاً فيها. لكنه لم يتمكّن من ذلك، فغادرها منكسراً نحو إيطاليا؛ حيث رحل في مدينة الإسكندرية عام 1838، تاركاً اسمه مُرتبطاً بتلك النكبة الكبيرة.

وإن كان الاستعمار الفرنسي قد "كرّمه" على طريقته الخاصّة، بعد أن أذلّه بطرده من التراب الفرنسي وحرمه من اللجوء، فإن سلطة الجزائر المستقلّة لم تتّخذ منه أيّ موقف سلبي، إذ أبقت اسمه على الدائرة الإدارية ومحطّة القطار في العاصمة، في وقت لم يفصل المؤرّخون في ذلك الجدل القديم: هل كان الرجل خائناً أم مقاوماً فاشلاً؟

بقي الجدل محصوراً داخل الدوائر الأكاديمية، إلى أن خرج إلى العلن فجأةً مع انطلاق تصوير فيلم تاريخي عن أحمد باي (1784 ـ 1851)، أحد مقاومي الاحتلال الفرنسي في الشرق الجزائري. اختير الإيراني جمال شورجة لإخراج العمل الذي كتب نصّه السيناريست الجزائري رابح ظريف، في حين أُسند دور الداي حسين إلى الممثّل الفرنسي جيرار ديبارديو.

لم يمرّ هذا الخيار مرور الكرام؛ إذ تصادف وجود الممثّل الفرنسي (1948) في الجزائر لتصوير المشاهد الخاصّة بدوره في الفيلم مع فتح تحقيق قضائي في بلاده بعد اتّهامه بالاعتداء الجنسي على ممثّلةٍ شابّة، وهو ما أثار موجةً من الانتقادات في الأوساط الثقافية والإعلامية اتّسم كثيرٌ منها بالشعوبية وعدم الدقّة.

اعتبر بعضهم أن ديبارديو "يختبئ" في الجزائر "هرباً" من الملاحقة، وهو ما يبدو غير منطقي؛ لأن المشاركة في فيلمٍ سينمائي تتناقض مع حالة الهروب والاختباء، كما أن الوجهة التي ستبدو منطقيةً في هذه الحالة هي روسيا التي يحمل جنسيّتَها منذ 2013، فضلاً عن أن اتّفاقه مع الجهة المنتجة جرى قبل إثارة قضيّة الاعتداء الجنسي برمّتها.

وردّ وزير الثقافة الجزائري، عز الدين ميهوبي، على هذه الجزئية بتأكيد عدم التخلّي عمّن وصفه بـ "صديق الجزائر"، معتبراً أن مشاركته في الفيلم ستكون سبباً في نجاحه على الصعيد العالمي، مُضيفاً أن "حياته الشخصية لا تهمّنا".

أيضاً، انتقد بعضهم إسناد "شخصية مسلمة" إلى ممثّل فرنسي! لكن أطرف التعليقات في هذا السياق ما كتبته إحدى الصفحات على فيسبوك معتبرةً أن فرنسا ردّت إهانة الجزائر لقنصلها بعد 191 عاماً، من خلال إعادة تمثيل "حادثة المروحة" بشكل معكوس؛ حيثُ يؤدّي ممثّل فرنسي دور داي الجزائر، في حين يؤدّي ممثّل جزائري دور القنصل الفرنسي!

شكّك هؤلاء في قدرة ديبارديو على أداء الدور بسبب اختلاف اللغة والملامح، متناسِين أن ممثّلين أجانب سبق أن جسّدوا شخصيات تاريخية من المنطقة العربية الإسلامية بنجاح، كما هو الحال بالنسبة إلى أنتوني كوين الذي جسّد بأداء لافت شخصية عمر المختار في فيلم مصطفى العقّاد الذي يحمل العنوان نفسه.

كما انتقدوا أيضاً عدم الاستعانة بممثّل جزائري في وقتٍ يتحدّث وزير الثقافة عن التوجّه إلى الاكتفاء بالفنّانين الجزائريّين، وهو ما طُبّق في المهرجانات الموسيقية التي توقّفت عن دعوة الفنّانين العرب والأجانب. وجهة النظر هذه تبدو بمثابة دعوة شوفينية إلى الانغلاق المحلّي، وتدخّلاً غير مبرّر في خيارات المنتج والمخرج.

وبعد تفاعل الجدل على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، أُضيفت مسألةٌ أخرى إلى الانتقادات السابقة، تتمثّل في تعاطف الممثّل مع "دولة" الاحتلال الإسرائيلي التي زارها غير ما مرّة، وأبدى إعجابه بها؛ إذ قال في أحد حواراته إنه "يغبط الفرنسيّين اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل".

كانت هذه النقطة كفيلةً بترجيح كفّة المنتقدين، بالنظر إلى المواقف الجزائرية المتشدّدة في مسألة التطبيع مع "إسرائيل". لكنها تُؤكّد، من جهة أُخرى، أن الحملة برمّتها أُثيرت من منطلقات شخصية، حتّى وإن اعتمدت على مبرّرات غير مقنعة.

وفي هذا السياق، يقول كاتب سيناريو الفيلم، رابح ظريف، في حديث إلى "العربي الجديد"، إن الحملة أطلقها، في الأساس، صحافيّون بسبب عدم قبول إشراك أسماء اقترحوها للتمثيل في الفيلم.

وبخصوص مسألة التطبيع، يُضيف: "موقف الجزائر من إسرائيل ليس محلّ مزايدة. الدولة تمنع مواطنيها من التطبيع، لكنها لا يُمكن أن تفرض ذلك على الفنّانين والمثقّفين الأجانب".


ليس أكثر من متصهين
لا يمكن وصف جيرار ديبارديو بأقل من متصهين، ويُستغرب فعلاً كيف يمكن أن يصفه المدافعون عن إعطائه دوراً في فيلم وطني جزائري بـ"صديق الجزائر". في آخر مشاريعه وزياراته لدولة الاحتلال، لم تبق صفة لم يلصقها بها. في لقائه مع صحيفة "العالم اليهودي" العام الماضي، قال إنه "يحسد اليهود الفرنسيين على هجرتهم إلى إسرئيل" ولم تنج من غزله ونفاقه حتى شركة الطيران الإسرائيلية "العال" التي ولغ في مدحها.

دلالات

المساهمون