الخلافات العائلية تُفقد التلميذ تركيزه

الخلافات العائلية تُفقد التلميذ تركيزه

02 نوفمبر 2017
الصورة
ليس "فشّة خلق" (حسين بيضون)
+ الخط -

يُجمع أهل الاختصاص على أنّ الخلافات العائلية تؤثّر سلباً على صحّة الطفل النفسيّة، وعلى تحصيله العلمي المرتبط بصحته تلك. لذا، لا بدّ على الأهل من التنبّه إلى الأمر.

من المؤسف والمحزن أن يكون طفل "فشّة خلق" أهله الذين يصبّون عليه كلّ ما يكبتونه في يوميّاتهم من مشكلات عائلية وغير ذلك. ومع تزايد الشجارات اليومية داخل الأسر في إطار تداعيات الأزمة الاقتصادية وغيرها من أزمات، فإنّ الأولاد يتأثّرون سلباً لجهة تحصيلهم العلمي فيُلاحَظ تراجعهم في المدرسة، في حين أنّ ذلك قد يطاول شخصياتهم التي تصبح أكثر عنفاً وعصبيّة. ولعلّ الأسوأ هنا، هو عدم تعامل المدارس - عدد كبير منها - مع الأطفال بطريقة تتفهّم أوضاعهم، ولا سيّما أنّ المتخصصات في علم النفس التربوي لا يتوفّرنَ في كلّ المؤسسات التعليميّة، فيما يُعدّ وجودهنّ ضرورياً للحدّ من التداعيات الصحية والنفسية على التلميذ الذي يعاني من مشاكل عائلية تؤثّر على تعليمه.

والاضطرابات العائليّة، بحسب ما تشرح رئيسة نقابة المعالجين والمحللين النفسانيين في لبنان، الدكتورة ماري - آنج نهرا، "تؤثّر سلباً على الأطفال جميعاً، لا سيّما الذين تراوح أعمارهم ما بين خمسة أعوام و15 عاماً، فهذه المرحلة التي ينتقل الطفل خلالها إلى المراهقة تُعَدّ حساسة جداً. بالتالي، إذا عاش الطفل في أجواء مشحونة وقلّة استقرار داخل المنزل، فإنّه سوف يتوجّه إلى مدرسته مشغول البال، على خلفيّة ما يحصل أو ما يعيشه في منزله، وهو أمر تأثيره كبير على نفسيّته". وتشير نهرا إلى أنّه "من المحتمل أن يكون سبب الخلافات سخيفاً مادياً، نتيجة الوضع المعيشي والضغوط اليومية التي يتعرّض لها الشريكان. لكنّ الطفل يكون هو فشّة الخلق".

وتأسف نهرا لأنّ "المدارس لا تأتي بمبادرات لمساعدة الطفل على الخروج من حالته النفسية المتأزّمة بفعل الاضطرابات العائلية"، لافتة إلى أنّ "الأمر ليس أولوية بالنسبة إليها، أي الاعتناء النفسي بصغير يعاني من تلك المشاكل النفسية". وتشرح أنّ "همّ المدارس هو التعاطي مع الأطفال كمجموعة في صفّ ما وإنهاء البرنامج الدراسي المحدّد لهم. همّها هو منح الشهادات العلميّة من دون التركيز على التربية السليمة وعلى الشخصية المتّزنة، وهو ما قد ينتج في المستقبل طبيباً فاشلاً أو محامياً كاذباً أو مهندساً سارقاً".




وتشدّد نهرا على أن "إنقاذ الطفل من حالته النفسية المتأزّمة لا يقع على عاتق المدرّسة التي لا تستطيع تشخيص حالة نفسية مضطربة لدى التلاميذ، بل تتحمّل مسؤوليّة ذلك إدارة المدرسة. لا بدّ من أن تلجأ إلى خدمات مساعدة اجتماعية ومتخصصة نفسية حتى تتواصلا مع التلميذ الذي يعاني من اضطراب نفسي". تضيف أنّه من المهمّ "إطلاق حملات توعية من قبل المدارس تُخصَّص للأهل حول كيفية التعامل مع أولادهم".

من جهته، يقول المتخصص في طب الأطفال الدكتور روني صيّاد، إنّهم يعاينون أطفالاً "يعانون من تداعيات نفسية وصحية نتيجة الاضطرابات العائلية. فنجد الطفل أكثر عدائية وشراسة وانطواءً، إلى جانب تراجعه في دروسه وعدم تركيزه في صفّه، وخصوصاً إذا كان يعيش في عائلة تعاني من التفكك الأسري أو من طلاق مترافق مع مشاكل وليس بناءً على تفاهم بين الطرفَين". يضيف أنّ "شراسته إمّا تزداد مع رفاقه أو بخلاف ذلك يكون منزوياً. وكلّ طفل يعبّر بحسب شخصيته عن حالته النفسية المتأزّمة، ويتفاعل مع ما يجري حوله". ويشدّد صيّاد على أنّ "الاضطرابات العائلية تؤثّر سلباً على مناعة الطفل الداخلية". ويتابع أنّ الطفل من الناحية الجسدية، "يعاني من قلّة تناول الطعام أو بخلاف ذلك من شراهة وكأنّه يدمن الأطعمة، وكلّ ذلك للتعبير عمّا يدور في داخله".

حزينة على الرغم من الفراشة المرسومة على خدّها (حسين بيضون)


إلى ذلك، يشدّد الطبيب المتخصص في الأمراض النفسية والعقلية الدكتور أنطوان سعد، على أنه "طالما أنّ الطفل يعيش في جوّ عائلي مضطرب، فمن الطبيعي أن يتأثّر سلوكه ونفسيّته ويتراجع تحصيله الدراسي، لأنّ والدَيه هما مثاله الأعلى. فإذا تعرّض ذلك المثال لأيّ اهتزاز داخلي، فإنّ من شأن ذلك أن يؤثّر سلباً على الطفل، إذ تهتزّ الصورة المثالية لديه بفعل الصراع العائلي المستمرّ، فيعاني من شعور بالذنب ظناً منه أنّه هو السبب في ذلك. وقد يصل الأمر إلى حدّ الأذى النفسي والجسدي معاً".

في السياق، تؤكد المتخصصة في المتابعة النفسية الجسدية شانتال خليل، أنّ "الاضطرابات العائلية لها تأثيرها الكبير على شخصيّة الطفل، خصوصاً في سنّ صغيرة، وعلى إنتاجيته في المدرسة. وكانت دراسة حديثة أعدّت في بريطانيا أخيراً، قد أظهرت أنّ شريحة واسعة من الأطفال الذين يعيشون في بيئة مضطربة عائلياً تعاني من أذى نفسيّ. وقد أظهر التصوير المغناطيسي لأدمغتهم أنّ هؤلاء الأطفال يعانون من شلل في القدرات الفكرية والإنتاجية. فعندما يخاف الطفل من شيء ما، تُفرز هرمونات الكورتيزول أو الأدرينالين بنسب مرتفعة، الأمر الذي يشكّل خطراً على الدماغ الذي يفقد قدرته على التركيز".

تضيف خليل: "لذا فإنّه من المستحيل أن نجد طفلاً يعيش أجواء مضطربة عائلياً ويعطي نتيجة جيّدة في دروسه. ولا بدّ للأهل هنا من أن يعرفوا أنّ أولادهم أمانة بين أيديهم، وإذا شئنا تحسين وضع طفل نفسياً وإنتاجياً في الدراسة، فلا بدّ من تحسين العلاقة بين بعضهم بعضاً، لأنّ الضغط النفسي الذي يعيشه الطفل يزيد تراجعه في التحصيل العلمي، وكذلك ينعكس جسدياً عليه من خلال تزايد أوجاع البطن التي تحصل من دون مبرّر".

أمّا المتخصص في العلاج النفسي الدكتور نبيل خوري، فيؤكد في السياق أنّ "كل الخصومات التي تحصل بين الشريكَين تؤثّر سلباً على شخصيّة الطفل وعلى اتّزانه النفسي. بالتالي، يتوجّب عليهما تفادي ذلك، حتى لا يكون طفلهما في حالة عصبية يرثى لها ويعجز عن التركيز واستيعاب المعلومات ولا يتجاوب مع التحصيل العلمي". ويشير إلى "أهميّة أن تلجأ المدارس إلى خدمات معالجين نفسيين".