الحكومة الجزائرية تتخلى عن صُحفها

الحكومة الجزائرية تتخلى عن صُحفها

27 فبراير 2016
الصورة
علّقت عدة صحف صدورها (Getty)
+ الخط -
توقفت خمس صحف جزائرية عن الصدور بسبب تراجع الإشهار (الإعلان) الحكومي، ما دفع هيئات صحافية إلى دق ناقوس الخطر من واقع مزرٍ تتوجه إليه الصحف في الجزائر، وهو واقع ذو صلة بإعادة ترتيب المشهد السياسي والإعلامي في الجزائر، في أعقاب التغييرات التي أقرها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في جهاز المخابرات منذ أشهر، والذي كان يدير عملية توزيع الإشهار الحكومي على الصحف.

في أزمة غير مسبوقة، تعيش ما يزيد عن 40 صحيفة في الجزائر، أغلبها موالية للسلطة، أزمة مالية خانقة تتوجه بها لتعليق صدورها وتسريح عشرات الصحافيين. أزمة بدأت تلقي بظلالها على المشهد الصحافي بعد إعلان خمس صحف تعليق صدورها وإغلاق أبوابها وتسريح الصحافيين والعاملين فيها، بسبب تراجع كمية الإعلانات التي كانت توزعها الوكالة الحكومية للنشر والإشهار، والتي تحتكر منذ عقد ونصف توزيع الإشهار الحكومي، وتساهم في ذلك بمنح المؤسسة السياسية والأمنية الرسمية، أداة ضغط كبيرة على الصحف والمؤسسات الإعلامية، وكسر أي مؤسسة صحافية تحاول الخروج عن طوع السلطة.

وبفعل ضغوط الإشهار (الإعلانات)، توقفت أكثر من خمس صحف يومية عن الصدور، كصحيفة "الأحداث" التي علقت صدروها منذ 16 فبراير/شباط الجاري، برغم أن بعضها سبق وأن استفاد من عائدات إشهار ضخمة مثل جريدة الأحداث التي تصدر منذ عام 2002، ووجد 48 صحافياً ومراسلاً وعاملاً أنفسهم بدون عمل بعد سنوات عمل. كما لم يتقاض الصحافيون في صحيفة "اليوم" الناطقة بالعربية رواتبهم الهزيلة أصلاً منذ أربعة أشهر، برغم استفادة الصحيفة هي الأخرى من عائدات كبرى من الإشهار الحكومي الذي تمنحه وكالة النشر والإشهار.

ونشرت "المبادرة الوطنية من أجل كرامة الصحافي الجزائري" تقريراً عن الوضع المأساوي الذي تعيشه الصحف والصحافيون. وقال التقرير إن الصحافيين العاملين في الصحف المستقلة يتعرضون منذ سنة إلى مضايقات خطيرة تحولت إلى عملية "سحق اجتماعي" ومساس خطِر بكرامة الإنسان نتيجة سياسة خاطئة في عملية إصلاح المنظومة الإعلامية المحكومة بالفوضى والارتجال، وقدر التقرير أن ما بين 40 الى 50 صحيفة مهددة بالغلق وتسريح الصحافيين.



وأفاد التقرير أنّه "منذ سنة بدأ الحديث عن نية مبيتة لغلق ما بين (40 إلى 50) مؤسسة إعلامية معظمها جرائد يومية جهوية ما بين إخبارية عامة ورياضية"، بدعوى عدم قدرة الوكالة الوطنية للنشر والإشهار على إمداد الكم الهائل من العناوين الإعلامية المقدر عددها بحوالى 150 عنواناً ما بين يومية، بالإعلانات العمومية التي هي مصدر التمويل الرئيسي للصحف، وكانت الوكالة توزع حوالى 250 صفحة يومياً، بمساحات مختلفة ووفقاً لمعايير غامضة.

ويشير التقرير الى أن "بعض الصحف تأخذ منذ سنة 2014 ما معدله ثلاث إلى أربع صفحات، بينما البعض منها يستفيد من صفحة واحدة الى ربع صفحة دون معايير وشروط قانونية واضحة". وتتصرف هذه الجرائد في الأموال التي تحصل عليها من "الوكالة الحكومية للنشر والإشهار" بعيداً عن رقابة وزارة الاتصال، إذ لا يستفيد الصحافيون والعمال بما لا يتعدى 30 في المائة من هذا الدعم المقدم في أجور هزيلة، إذ يتقاضى 60 في المائة من الصحافيين أجوراً تترواح ما معدله بين 100 إلى 200 دولار أميركي ، فيما يتقاضى 30 في المائة من الصحافيين أجوراً تترواح بين 200 إلى 300 دولار أميركي، وتزيد مرتبات المسؤولين في هذه الصحف ورؤساء التحرير عن ذلك، وهو ما ظل موضوع احتجاجات ومطالبات متكررة من الصحافيين وهيئات تعمل في المجال النقابي والحقوقي.

اقرأ أيضاً: تونس:1925 خللا إعلاميا في التعاطي مع ظاهرة الإرهاب


وانتقدت المبادرة تهرب وزارة الاتصال منذ نحو سنتين من عقد لقاء مباشر مع الصحافيين للقضاء على أسباب الفوضى في المشهد الصحافي، وطالبت المبادرة الوطنية لكرامة الصحافي الحكومة بالتدخل والقيام بوقفة جادة وعاجلة لوقف هذا الوضع الوضع المهني السائد والذي لم يعد يحتمل الصمت، والذي بات يدفع الصحافيين إلى التفقير والتشريد بسبب هزال الأجور والضغوط المختلفة المؤدية إلى غلق المؤسسات الإعلامية، وطالبت المبادرة بتطبيق زيادات الأجور والمنح التي طبقت في قطاع الصحافة الحكومية العام على الصحف المستقلة، ومراقبة حسابات المؤسسات الإعلامية ومصير دعم الدولة المتأتي من الإعلانات العمومية، وفرض دفتر شروط يأخذ بعين الاعتبار حقوق الصحافيين في التكوين والعيش الكريم، ومحاسبة الجرائد والمؤسسات الإعلامية المفلسة ومراقبة مصير الدعم الموجه لها من طرف الدولة، وضمان حق الصحافيين في التعويض عن كل الأضرار التي تلحق بهم جراء الطرد والغلق، وبمنح الجرائد والمؤسسات الإعلامية الناشئة والممارسة في الميدان نفس حظوظ الدعم المقدم من طرف الدولة، وفقاً لمقاييس التنافسية النزيهة، والكشف عن نتائج التحقيق الذي باشرته مصالح وزارة العمل بالتنسيق مع وزارة الاتصال بخصوص ظروف عمل الصحافيين المهنية والاجتماعية.


وإذا كان الوضع الحالي يظهر بجلاء الهشاشة التي تعانيها أغلب الصحف في الجزائر، فإن الصحافيين يعتقدون أن السبب الرئيس في هذا الوضع هو كون نسبة كبيرة من الصحف التي تشكل المشهد الإعلامي في الجزائر ما هي إلا مقاولات لكسب المال، ولا علاقة لها بالمشروع الإعلامي، وزادت التحالفات السياسية مع رجال الأعمال في تكريس هذا الواقع.

ويعتقد رشيد شويخ رئيس تحرير سابق لصحيفة "الجديد" التي تصدر في منطقة وادي سوف جنوبي الجزائر أنّ "الغالبية العظمى من الجرائد في الجزائر خاصة تلك المصنفة صغيرة تعتمد على الإشهار العمومي لتغطية مصاريفها وبما أن البلاد دخلت مرحلة تقشف تم من خلالها التقليص وبشكل كبير من المشاريع الحكومية والتي تتطلب نشر إشهار مناقصاتها عبر الجرائد مما خفض وبشكل كبير من حجم الإشهار العمومي"، مضيفاً أن "هذا الوضع أدى إلى تراجع.


الإشهار العمومي من معدل ربع صفحة يومياً الى نصف صفحة اسبوعياً بشكل أثر على ميزانيات كل الصحف، ودفع ببعضها على غرار يومية الأحداث إلى التوقف عن الصدور نهائياً"، وأكد شويخ أن "عدداً آخر من الصحف أقرت خططاً للتقليل من مصاريفها على غرار تسريح عدد من صحافييها وعمالها وحتى التخفيض من عدد الصفحات المسحوبة من 24 إلى 20 أو 16 في بعض الصحف".

ويعتقد مراقبون أنّ أزمة الصحف ذات صلة وثيقة بإعادة ترتيب المشهد السياسي في الجزائر، خاصة بعد دخول القنوات التلفزيونية المستقلة في المشهد منذ ثلاث سنوات، وتحول السلطة إلى استغلال هذه القنوات بفعالية في الدعاية السياسية لتوجهاتها السياسية وكسر قوى المعارضة، وهو ما يوفر بالنسبة لها تحمل عبء الصحف التي لم تعد بذات الفعالية، كما أن الصحف الموالية لم تستطع برغم كل الدعم المالي والسياسي الذي كانت تلقاه على مواجهة الصحف المعارضة التي لم تكن تستفيد من الإشهار الحكومي، والتي ظلت تهيمن على المشهد وتؤثر في الرأي العام بشكل مباشر، وهو ما يعني تخلي السلطة عن الصحف الموالية لها والاستعانة في المقابل بالقنوات خاصة تلك التي تتماهى مع طروحات السلطة وسياسات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.


اقرأ أيضاً: بين الإنترنت ومردوخ... نهاية 30 عاما من"إندبندنت" الورقية

دلالات

المساهمون