التهريب معضلة اجتماعية في تونس

التهريب معضلة اجتماعية في تونس

28 سبتمبر 2015
الصورة

من حرس الحدود البحرية التونسية مع ليبيا (5 مايو/2015/Getty)

+ الخط -
يعدّ التهريب من أهم عوائق الانتقال الاقتصادي المنشود في تونس. والظاهرة ليست وليدة الثورة، بل هي حالة مشهودة في المناطق الحدودية بين تونس ودول الجوار (ليبيا/ الجزائر) على امتداد سنوات، ذلك أن أغلب أهالي المدن الطرفية الذين لم يجدوا حظهم من التنمية الشاملة، عقوداً منذ قيام دولة الاستقلال (1956) اتخذوا من التجارة الموازية وسيلة للوقاية من الفقر، وللهروب من البطالة، فخبروا المسالك البرية الوعرة، لتهريب البضائع عبر الجبال وعبر الصحراء، ودشّنوا منوالاً اقتصادياً خاصاً بهم، يقوم على تسريب السلع المباحة والمحظورة، وتصديرها وتوريدها بطرق غير قانونية، وفي منأى عن الرقابة الديوانية، وعن الأداءات الجمركية. وقد غضت السلطة الحاكمة الطرف عن ذلك النمط من المعاملات التجارية قبل الثورة، لتسترضي سكان تلك المناطق، ولتأمن شر انتفاضتهم أجهزة الدولة. وتساهل أصحاب القرار سابقاً مع المهربين، إلى حدٍّ ما، لأن أغلب لوبيات الفساد المالي والتجاري، وأغلب شبكات التجارة الموازية كانت تديرها العائلة الحاكمة ورجال الأعمال المتنفذين، وأصهار الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.
وبعد الثورة، اغتنم بارونات التهريب فرصة التراخي الأمني المشهود في البلاد، وانشغال السلطة بمواجهة التحديات المطلبية، والتحركات الاحتجاجية، ليوسعوا من مجال نشاطهم، ولينوّعوا من أشكال التبادل التجاري غير الشرعي العابر للحدود، فلم يعد التهريب قاصراً على أجهزة إلكترونية وملابس، وسجائر ومحروقات، بل أصبح يشمل تهريب أسلحة وأدوية، ومواد غذائية أساسية وأسمدة كيمياوية وكحول فاخرة، وغير ذلك كثير. وتفيد دراسة صدرت حديثاً عن البنك الدولي، بعنوان "التجارة غير الرسمية عبر الحدود البرية التونسية"، أن حجم التهريب في تونس يتراوح بين 1.8 مليار دينار و 2.2 مليار دينار. وتتكبد تونس، نتيجة ذلك، خسارة مالية تقدر بـ 3.6 مليارات دينار، منها حوالي 500 مليون دينار خسارة ناجمة عن عدم تلقي الدولة الرسوم الجمركية على البضائع المهربة. وبلغت نسبة الاقتصاد الموازي في تونس اليوم 54% من الاقتصاد الوطني، وتقدر نسبة التجارة الموازية بـ 30% . وتسجل الدوائر الأمنية آلاف القضايا سنوياً ضد المتهمين بالتهريب الذين يقدر عددهم بحوالي
1400 مهرب . وأدى ارتفاع وتيرة التهريب، في السنوات الأخيرة، إلى نتائج كارثية على دورة الإنتاج والاستهلاك في تونس، فقد أدى إفراغ البلاد من المواد الغذائية والأدوية ومواد أساسية أخرى إلى إفقار السوق المحلية، ونقص العرض في مقابل تزايد الطلب في الداخل التونسي، ما نتج عنه ارتفاع الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية للمواطن، وشيوع ثقافة احتكار البضاعة، وازدهار صناعة السمسرة والبيع المشروط لدى بعض التجار، ما أرهق كاهل المستهلك، كما أن إغراق السوق المحلية بسلع مهربة من ليبيا والجزائر أسهم في الإضرار بعدد من الفلاحين والتجار والمهنيين الذين فقدوا هامش ربحهم الحقيقي، بسبب منافسة البضائع المهربة، واضطر كثيرون إلى إغلاق مؤسساتهم، بعد عجزهم عن مجاراة نسق التجارة الموازية وإكراهاتها، ومن المفيد الإشارة إلى أن حركة التهريب ليست قاصرة على المعابر الحدودية البرية، بل تمتد شبكات الفساد التجاري والمالي والإداري إلى الأجهزة الديوانية في الموانئ والمطارات.
ويُخشى من أن يؤدي استمرار نزيف التهريب وغياب استراتجيات واضحة لمواجهته إلى مزيد من التضخم والعجز في الميزان التجاري. ويرجع ميل تجارٍ كثيرين إلى انتهاج التهريب إلى ارتفاع الرسوم الضريبية على البضائع المستوردة، أو المصدرة، والتي تصل إلى حدود 95% من ثمن البضاعة. تضاف إلى ذلك كثرة الحواجز الجمركية والعراقيل البيرقراطية المتعلقة بالحصول على تراخيص الاستيراد والتصدير في تونس.
وأمام استفحال آفة التهريب، وآثارها الوخيمة على الاقتصاد التونسي، فإن الحكومة والدوائر المعنية بتنظيم قطاع التجارة مدعوة إلى تقديم مقاربة إصلاحية إجرائية لهذا القطاع، ومطالبة بتطوير قوانين التبادل التجاري، وتطويعها، لتيسر الاستيراد والتصدير بطريقة سلسة وقانونية، ومدعوة لتخفيف العبء الضريبي والإجراءات الإدارية والديوانية على التجار. ومن المهم العمل على تشجيع الناشطين في مجال التهريب على الاندماج في دورة الاقتصاد الوطني المنظم، المقنّن، وإحداث أسواق تبادل حر في المناطق الحدودية، والتعجيل في إطلاق برامج تنموية شاملة في المدن الطرفية، على نحو يخرجها من دائرة التهميش، ويجعل سكانها مقتنعين بأهمية الانتماء إلى الدولة، والعمل ضمن أطرها القانونية الرسمية. فتوفير فرص تشغيلية، ومشاريع استثمارية في الجهات الحدودية، يساهم، بالضرورة، في جذب العاطلين عن العمل، وإغرائهم بالانخراط في الدورة التنموية الرسمية، بدل الانخراط في مسالك شبكات التهريب الخطيرة والمتشعبة. ذلك أن الاكتفاء بالمقاربة الأمنية والقوانين الردعية لا يكفي في مقاربة ظاهرة التهريب وتفكيكها ومعالجة أسبابها وانعكاساتها، فمن المهم بمكان الوعي بالخلفيات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للظاهرة، والعمل على فهمها، والحد من آثارها السلبية باعتماد مقاربة متعددة الأبعاد، تتأسس على إعادة بناء المناطق المحرومة، وتوطين السكان فيها، وتوفير لوازمهم الأساسية وحاجياتهم الضرورية، لتأمين العيش الكريم لهم، وإعادة بناء وعيهم الجمعي، بتوجيههم نحو إدراك قيمة العمل المشترك، وقيمة الانتماء إلى الجمهورية، والعمل في إطار دولة القانون والمؤسسات.