التعليق الرياضي: كرة القدم في مرمى الضاد

22 يونيو 2018
الصورة
المدرج الروماني في مدينة الجم خلال مباراة تونس وإنكلترا

بعد هدف في الدقائق الأخيرة من مباراة إيران والمغرب، أقيمت ضمن فعاليات كأس العالم لكرة القدم التي تنظمها روسيا هذه الأيام، صاح المعلق: "تخطف إيران فوزاً بنيران صديقة من المغرب". هذه العبارة غيضٌ من فيض الجمل التي تلتقطها أذن السامع، الدارس للعربية ولفنون القول فيها، حين يتابع التعليقات الرياضية. فقد اخترعت هذه الأخيرة لغة تقع بين الفصحى والعاميات، خطاباً وسطاً يتوجّه إلى بلادٍ متعدّدةٍ وفئات اجتماعية وثقافية متنوّعة، وينهل من معاجم متنوّعة.

فعلى بساطتها الظاهرة، تعيد مسألة التعليق الرياضي قضية الازدواج اللغوي diglossie إلى واجهة المشهد التواصلي العربي والنقاشات الدائرة حول خياراته اللغوية. وهو ما يدعونا إلى التوقف عند بعض السمات الألسنية التي تميز هذا المجال المخصوص، حيث تخفي طرافته الظاهرية جوانب متشعبة، وثيقة الصلة بعلوم اللسان وآليات التواصل.

ففي خطاب التعليق الرياضي، الواقع ضمن الإعلام المُغطي للأحداث الكروية، تتجلى حيوية التوليد المعجمي والابتكار المجازي. فقد تمكنت قرائح الصحافيين الرياضيين، المستندة إلى أعمال المجاميع اللغوية ولجانها المختصة، من توليد العديد من المفردات التقنية الخاصة بكرة القدم عبر الترجمة مثل: ضربة جزاء، هجوم، حارس مرمى، مهاجم، تماس، ركنية، وفي القائمة عشراتٌ غيرها. ومن جهة ثانية، ظهرت في هذه التعليقات مفردات مقترضة من الإنكليزية أو الفرنسية مثل: كورنر، جول، كوتش. وهي تعيش جنباً إلى جنب مع مقابلاتها الفصيحة (زاوية، هدف، مدرِّب...).

وتؤكد ظاهرتا التوليد والتعريب أن التعليق الرياضي يظل من بين المجالات التي تزدهر فيها العربية الوسطى. ففيه تحضر بوصفها السجل الأكثر قدرة على التعبير عما يجري في الملاعب ومدارجها. وعبر مفرداتها، وهي في مرتبة بينَ بينَ، يُتوجه إلى جماهير المشاهدين والمستمعين للنقل الآني لحَدث آني. ومن هنا عناصر المفاجأة والعفوية فيه. فالمعلقون يتجنبون - في نقل وقائع البطولات المحلية والقومية وحتى العالمية- استخدام كلمات اللهجات المحكية، كما يتلافون السجل الفصيح، مما لو استُعمِل، لكان مصطنعاً، بل وكاسراً لحماسية المشاهد التي تبدو وراء إنعاش هذا السجل الوسيط وإغنائه.

ومن ثمرات استخدام هذا السجل، وهو تلقائي بطبيعته، تنشيط الكفاءة الشفوية التي تعدّ من لوازم الخطابة Oratio، وما يلحقها من إظهار الحماسة والانفعالات وتغيير النبرة حسب إيقاع المَشاهد. وقد وصل الأمر ببعض المتابعين للشأن الكروي اختيار متابعة المقابلة، التي تبث على عدة قنوات، بحسب هوية المعلق وطريقته في الإلقاء وحتى نبرات صوته. ففي مناسبات مثل نهائيات كأس أوروبا أو كأس العالم، تأنق المعلقون في إنتاج الأشعار وإطلاق الألقاب وعبارات السخرية وسائر صور الخطاب التلقائي، وكلها مُحبّب إلى نفوس الجماهير، الباحثة عن واقع آخر أثناء الفرجة- الملجأ.

وبفضل تراكم هذه العبارات، بزغت استعارات مذهلة، غدت تشكّل النسيج المجازي للتعليق الرياضي ومن أمثلته: الأقدام الذهبية، غدر الكرة، الساحرة المستديرة، المستطيل الأخضر، في الزاوية التسعين، رفع رصيد الأهداف، صنع التفوق العددي، اختراق الشباك، خط دفاع، هجوم معاكس، هدف قاتل، قذيفة لا تصد ولا ترّد (للحديث عن تسديدات قوية للكرة) وغيرها.

ونكتشف عند استعراض هذه الاستعارات أن القاموس الحربي مهيمن عليها، حاكمٌ في تولد معانيها الحافة وإنشاء الحماسة عند تلقيها. فكأنما نُقل معجم الحروب وعساكرها من ساحة الوغى إلى الميدان، حيث يجري اللاعبون ويتنافسون. ولا يرمي هذا النقل فقط إلى تسمية العناصر التي تتألف منها هذه اللعبة، بل يشتغل بوصفه مولداً استعارياً، يعتمد عليه المعلقون لتوسيع الصور البيانية ومدها بعناصر إضافية مثل: حطم معنويات المنافس، وأربكه في مناطقه وأمام أنصاره، ألحق به هزيمة نكراء.

ويمكن أن نلاحظ أيضاً وجود عدم استقرار بعض الاختيارات القاموسية من معلق لآخر، للإشارة إلى نفس المدلول. وهذه قضية عامة تتصل بعدم توحّد المصطلح واستخدامه بشكل آلي في العالم العربي، وخاصة بين المشرق والمغرب.

وأشهر مثال على ذلك، تعدّد الصيغ للدلالة على الوقت الذي يضيفه الحكم في نهاية المباراة فيقال: الوقت الضائع، الوقت المبدّد، الوقت الإضافي، والوقت بدل الضائع وحتى الوقت القاتل. وقد يفسّر هذا التموّج المعجمي بغياب تعميمات رسمية توضح الاستخدام وتفرضه. ولكن من يمكن أن يعمّمه، ناهيك عن فرضه؟

ولهذا الغياب إذن وجهه الرسمي الأكاديمي. فثمة إهمالٌ للدراسات الألسنية الخاصة بالمعجم الرياضي، نلمسه في أروقة الجامعات ومختبرات البحث، ربما لأنَّ كرة القدم لا تزال تقترن في المخيال الجمعي بالترفيه. ولذلك لم تشكل بعد مبحثاً جدياً، تتوفر عليه همم اللغويين. ويحسن التذكير هنا بأن عبد الحميد بن سلامة كان من أوائل من ناقش رسالة دكتوراه عن الرياضة ومظاهرها السياسية والاجتماعية والتربوية. وكان ذلك حدثاً في كلية الآداب بتونس سنة 1978.

ومن مظاهر هذا الإهمال، الغفلة عن تحليل الوثائق المعتمدة لدى اللجان الرياضية العربية، مثل "اتحاد اللجان الأولمبية العربية" و"لجان ألعاب البحر الأبيض المتوسط"، و"المجلس الأعلى للرياضة بإفريقيا"... وكلها تعتمد المعجم الكروي والمفردات الأكثر رسمية وتوافقية، وهي تستحق تحليلات خاصة تظهر التحولات الدلالية والمبادئ الحاكمة فيها.

كما يمكن التساؤل، ضمن السوسيولوجيا الألسنية، عن سيمائية التسميات التي تطلقها الفرق المحلية على نفسها مثل: الأهلي، الفراعنة، الوداد، النشامى، الترجي، الشباب (...) وهي ألقابٌ تشي بمدى ارتباطها بشخصيات تأسيسية وبمبادئ سياسية تعبوية وشعبوية، مما يحيل على الوظيفة الرمزية التي تؤديها التسمية في عالم اليوم.

ورغم تعدّد مسالك البحث، يمكن القول إنَّ الخطاب الرياضي قد اكتملت عناصره المعجمية ونضجت منه الحقول الاستعارية، فصار يؤدي ليس فقط وظيفته التمثيلية (الإحالة على مدلولات حقل معجمي)، بل وظيفة إمتاعية، تقترن بلذة الفرجة ومتعة مشاهدة جمال الحركات، من هجوماتٍ وصدٍّ لها، إضافة إلى يسر التأثير في الناس وخفّة التواصل معهم، حتى أن معلقين باتوا أشهر من نار على علم مثل، عصام الشوالي ورؤوف خليف ويوسف سيف وفهد العتيبي وأيمن جادة. واكتسبوا شعبية في البلاد العربية، لم يدركها الفنانون والكتّاب، لأنهم يخاطبون العالم العربي بأسره رغم تعدد لهجاته وانقساماته السياسية والاجتماعية، ويفاجئونه بابتكارات لغوية لا تقل جودةً عن روائع الكلام.

فهم أيضاً صنّاع لذة كلامية، تواكب الفرجة البصرية، فليس نادراً أن يصف أحدهم لاعباً ببيت من الشعر العربي القديم، أو يأتي بطرفة تخطر عليه بديهةً، فتساير بذلك رشاقةُ عبارات المعلقين في الخطاب فنياتِ اللاعبين على الأعشاب. وحتى نبقى في نفس هذا النسيج الاستعاري، يمكننا القول إن الضاد سجلت أهدافاً رائعة في شباك الرياضة، بقدرتها على الدلالة والإمتاع، لكن نتيجة المباراة غير محسومة.

دلالات

تعليق: