التربية الجنسية... مدارس تونس تكافح التحرش بالأطفال

26 مارس 2019
الصورة
يبدأ تدريسها العام المقبل (فتحي بلعيد/ فرانس برس)

تخطط وزارة التربية في تونس لتدريس مادة التربية الجنسية في المدارس الابتدائية والإعدادية للحدّ من التحرش الجنسي في المدارس، بعد عدة حالات شهدتها

بهدف توعية التلاميذ وحثهم على الإبلاغ عن أي تجاوزات تحصل لهم، وقد تصل إلى حالة الاعتداء الجنسي، قررت وزارة التربية في تونس إدراج مادة التربية الجنسية في المدارس الابتدائية والإعدادية. وأكدت على منع الدروس الخصوصية للحدّ من احتمالات التحرش والاعتداء الجنسيين، ولمنع نقل التلاميذ، خصوصاً في التعليم الابتدائي، إلى أماكن خاصة، سواء كانت منازل أو مكاتب أو مستودعات، يجري فيها تلقين الدروس الخصوصية.

وكانت وزارة التربية، قد كشفت عن 87 شبهة تحرش جنسي بمختلف أنواعه بالتلاميذ خلال الفترة الممتدة من 1 أكتوبر/ تشرين الأول الى 18 مارس/ آذار 2019، إثر بحث ميداني لمصالح الوزارة، مؤكدة عزل 23 شخصاً وتوقيف 21 آخرين عن العمل مؤقتاً، لشبهات من هذا النوع.




جاء هذا الإعلان بعد الصدمة التي خلفها اعتداء معلم على تلاميذه في مدرسة بمحافظة صفاقس حيث تعرضّ 30 تلميذاً وتلميذة للتحرش والاعتداء الجنسي، ليقبض عليه لاحقاً ويودع في السجن. ويخضع الأطفال للرعاية النفسية بعد تشكيل خلية أزمة للعناية بهم وبعائلاتهم، وبالتلاميذ الذين سبق للمتهم تدريسهم أيضاً.

يقول الناطق الرسمي باسم محاكم صفاقس، مراد التركي، إنّ 25 من الضحايا هؤلاء إناث، مشيراً إلى أنّ أعمار الأطفال تتراوح بين 9 سنوات و11 سنة، وهناك طفل عمره 14 سنة. يتابع التركي أنّ هذه الجرائم حدثت في 3 أماكن منها المدرسة التي يعمل فيها المعلّم، كما في منزله حيث يقدم دروساً خصوصية، وفي سيارته، مؤكداً أنّه جرى الاستماع إلى 45 تلميذاً في هذه الجريمة.

من جهته، يؤكد الناطق الرسمي باسم وزارة التربية، محمد بالحاج طيب، لـ"العربي الجديد" أنّ وزارة التربية قررت تدريس التربية الجنسية بداية من السنة المقبلة، مضيفاً أنّ هذه المادة ستشكل نشاطاً إضافياً للتلاميذ، وبذلك سيجري تدريسها ضمن النوادي وأنشطة التوعية.

بدورها، حذرت الجمعية التونسية للأولياء والتلاميذ، من التداعيات والآثار السلبية التي قد تتركها مثل "هذه الجرائم الشنيعة" على الضحايا والأسر، والتي قد تمتد لسنوات عديدة، وتتطلب في غالب الأحيان رعاية خاصة من النواحي النفسية والاجتماعية والبدنية. وأكدت في بيان ضرورة وضع استراتيجية لبرامج التربية والتعليم ولحملات التوعية الموجهة لكلّ الأطراف المعنية، بهدف الوقاية من التحرش.



في هذا الإطار، يقول رئيس الجمعية التونسية للأولياء والتلاميذ، رضا الزهروني، لـ"العربي الجديد": "الرأي العام في تونس فوجئ بالإعلان عن فاجعتين تعلقتا بالتحرش الجنسي والاغتصاب، ذهب ضحيتهما عدد كبير من أطفالنا الأبرياء، فبالإضافة الى فاجعة صفاقس سجل اعتداء على تلميذة في سن 14 سنة من مدرسة إعدادية بمنطقة الحمامات اتهم فيها مسؤول مدرسي".

يتابع أنّ التربية الجنسية ضرورية، بعد صياغة منهجها من قبل اختصاصيين بحسب الفصول الدراسية للتلاميذ، ويجب أن تضم توعية للأطفال ليدركوا معنى الوقاية الجنسية وهي مسائل متوفرة في الأنظمة التربوية العالمية، مضيفاً أنّ الثقافة الجنسية يجب أن تشمل أيضاً الأولياء ليسهروا على وقاية أطفالهم، ويدعوهم إلى المحافظة على أجسادهم والإبلاغ عن سلوك غير عادي لمن يختلطون بهم. ويلاحظ الزهروني أنّ المجتمع التونسي تغير وهناك العديد من العوامل التي أدت إلى بروز التحرش وغيره، مثل الإنترنت وتطور الوسائل التكنولوجية وانتشار المخدرات وبالتالي لا يجب الاطمئنان دائما إلى أنّ الطفل سيكون في أمان.

يشير إلى أنّ المطلوب محاسبة مرتكبي الاعتداءات الجنسية على الأطفال بصرامة، كي لا تتكرر. ويؤكد أنّ الأهم هو التكفل النفسي والطبي بالمتضررين وبأسرهم لأنّ مخلفات ما يحصل تستمر لسنوات، وهناك آثار لن تشفى سريعاً، بل تصعب مداواتها، ويجب التعامل مع مثل هذه القضايا بكلّ جدية. يضيف أنّ الوقاية تظل أفضل من العلاج لعدم تكرار وقوع مثل هذه الجرائم مستقبلاً.

أما الأستاذ المتخصص في علم اجتماع الجريمة، سامي نصر، فيقول لـ"العربي الجديد" إنّ الاعتداء الجنسي على الأطفال جريمة، وهي من أخطر الجرائم، مضيفاً أنّ هناك نبذاً اجتماعياً للمتحرشين ومغتصبي الأطفال، فبالإضافة إلى العقوبات بالسجن التي تطاولهم هناك عقوبات اجتماعية تسلط عليهم. يتابع أنّه قبل التفكير في إدراج مادة التربية الجنسية في المناهج التعليمية لا بد من خطوات أكثر أهمية، وهي تثقيف الأسر التونسية وتوعيتها بالمخاطر المحدقة بأطفالهم، إلى جانب حثهم على التواصل والحوار مع أبنائهم، مشيراً إلى وجوب إخراج المواضيع المسكوت عنها من دائرة الانغلاق إلى دائرة النقاش بخصوصها، مضيفاً أنّ المشكلة ليست في التلميذ بل في ولي الأمر الذي لا ينصت إلى طفله.

يوضح نصر، أنّ أول من يلجأ إليهم الطفل عند حصول اعتداء هم الأسرة، وعادة ما تكون هناك مؤشرات عدة تظهر في سلوك الطفل الذي يتعرض إلى تحرش، لكن للأسف فالعديد من الأسر مشغولة عن أداء دورها ومهامها. يؤكد أنّ التحرش الجنسي بالأطفال عادة يلازمها صمت من قبل الطفل الضحية، إما بسبب الخوف أو لأنّه لا يفهم ولا يعي أنّ ما حصل له هو تحرش. يتابع أنّ تدريس التربية الجنسية في المدرسة مهم، لكن لا بد من توفير الأرضية الملائمة لها، فقرار تدريس التربية الجنسية لن يكون سهلاً لأنّ عدد الاختصاصيين في تونس لمثل هذه المواد قليل جداً، ولا بد من تدريب اختصاصيين في هذا المجال، وهو ما يتطلب فترة طويلة، مبيناً أنّ الثقافة الجنسية من أصعب المواد التي يمكن تدريسها، ولا بد من أن تسبقها عدة تدريبات حول كيفية إيصال المعلومات للأطفال. يشير إلى أنّ 37 في المائة من مرتكبي جرائم اغتصاب الأطفال تعرضوا إلى حالات مماثلة في صغرهم، من داخل العائلة أو خارجها. ولم تجرِ حمايتهم، مضيفاً أنّ انتشار المخدرات من بين أسباب تنامي الاعتداءات على الأطفال والعجائز مؤخراً.




يدعو نصر إلى عدم السماح بتمتع مرتكبي جرائم التحرش والاغتصاب بالعفو الرئاسي، لأنّها أخطر الجرائم، مشيراً إلى أنّ جريمة صفاقس شكلت صدمة في المجتمع التونسي، لكنّها كشفت أيضاً أنّ المجتمع ما زال بخير من خلال حجم التآزر مع الضحايا ونبذ المعتدين.

نبذ المتحرشين
يقول اختصاصي علم اجتماع الجريمة، سامي نصر، لـ"العربي الجديد" إنّه في دراسة أجراها في سجن "9 أفريل" بالعاصمة، تبين أنّ المتحرشين يتعرضون إلى نبذ كبير من السجناء الآخرين، ويصل الأمر إلى الاعتداء عليهم بدنياً. يفسر هذا أنّ السجناء قد يتعاطفون مع القاتل ومع السارق لكن ليس مع المعتدي على أطفال، حتى أنّ بعضهم يكون مستعداً لدفع رشاوى مقابل عدم الكشف عن تهمته إذا كان معتدياً على أطفال أو متحرشاً بهم.