التحالف الدولي يستعد لاستئناف نشاطه العسكري في العراق

10 مايو 2020
الصورة
انسحب التحالف من 6 قواعد بينها "كي وان"(مرتضى السوداني/الأناضول)
+ الخط -
أكدت مصادر عسكرية عراقية وأخرى حكومية في بغداد، أمس السبت، لـ"العربي الجديد"، أنّ التحالف الدولي قد يستأنف أنشطته العسكرية الجوية في العراق، بشكل كامل مجدداً، ضمن جهود تتبّع خلايا وجيوب تنظيم "داعش"، بسبب التطورات الأخيرة التي شهدها الملف الأمني في البلاد. ويتعرض العراق منذ أسابيع لهجمات مكثفة من "داعش"، وسط مؤشرات على وجود تنسيق واضح بين خلايا التنظيم في عدد من المدن. ولفتت المصادر إلى أن خطوة استئناف الأنشطة قد تفسر كدعم لحكومة مصطفى الكاظمي، خصوصاً أنها تأتي بعد يومين من قرار للإدارة الأميركية منح العراق فترة سماح أخرى من 120 يوماً لاستيراد الكهرباء والغاز من إيران، ضمن استثناءات واشنطن المتعلقة بالعقوبات التي تفرضها على طهران.

وأبلغ جنرال عراقي في بغداد "العربي الجديد" بأن التحالف الدولي سيعاود مهام الرصد الجوي وتحليل المعلومات وتتبّع تحركات فلول تنظيم داعش بين صحراء الأنبار والمناطق الجبلية في الشمال، فضلاً عن الشريط الحدودي العراقي السوري البالغ أكثر من 600 كليومتر. وأوضح أن الجزء المتعلق بمعاودة الضربات الجوية أيضاً سيكون ضمن أنشطة التحالف الدولي، ويهدف ذلك إلى استدراك الثغرات التي تسبب فيها تراجع عمليات التحالف الدولي خلال حكومة عادل عبد المهدي، وفقا لقوله.

من جهته، أكد مصدر في أمانة مجلس الوزراء العراقي، في اتصال مع "العربي الجديد"، أن المعلومات المتوفرة لديه تفيد بأنّ التحالف الدولي سيركز على دعم القوات العراقية في الجانب الاستخباري، وتقديم استجابة سريعة بالضربات الجوية ضد مخابئ ومواقع تنظيم داعش. ولفت إلى أن "التحالف الدولي لم يوقف نهائياً عمله لكنه تراجع إلى أدنى حد له، وقبل أيام نفذ ضربة جوية استهدفت معقلاً لداعش شمالي العراق، لكنه سيعمل على إعادة التنظيم إلى مستوى لا يشكل به خطراً على المدن المحررة".

ويأتي ذلك مع تسجيل 24 هجوماً لتنظيم "داعش"، بين 15 إبريل/نيسان الماضي والسادس من شهر مايو/أيار الحالي، راح ضحيتها أكثر من 40 عراقياً بين قتيل وجريح. وتركزت الهجمات في محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك والأنبار. وتفاوتت بين هجمات مسلحة وتفجيرات بواسطة عبوات ناسفة ولاصقة، وقصف بقذائف الهاون واغتيالات لزعامات محلية، فضلاً عن اعتداء انتحاري بواسطة حزام ناسف. ودفعت هذه التطورات مسؤولين وأعضاء في مجلس النواب العراقي إلى المطالبة بتعزيزات أمنية في "المدن المحررة" التي تتعرض لهجمات "داعش".

ويربط مراقبون تصاعد عمليات تنظيم داعش بجملة من الأسباب، من بينها انسحاب قوات التحالف الدولي من ستة قواعد عسكرية في العراق خلال شهري مارس/آذار وإبريل/نيسان الماضيين، هي الحبانية والقائم في الأنبار، وكي وان في كركوك، والقيارة في صلاح الدين، والقصور الرئاسية في الموصل ومعسكر آخر غربي العاصمة بغداد، كانت جميعها تقدم دعماً للقوات الأمنية العراقية. ويُضاف إلى ذلك وضع حكومة عبد المهدي السابقة قيوداً على حركة الطيران العسكري للتحالف الدولي، منذ اغتيال الولايات المتحدة زعيم فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، والقيادي في الحشد الشعبي جمال جعفر المعروف بأبو مهدي المهندس، وما جرّه ذلك من تأزم سياسي وأمني في العراق بين واشنطن والمليشيات المرتبطة بإيران. وكانت حكومة عبد المهدي تُتهم بأنها خاضعة لإرادة تلك المليشيات.

وبحسب الخبير في الشؤون الأمنية العراقية، سرمد البياتي، الذي تحدث مع "العربي الجديد"، فإن "الحكومة العراقية الجديدة لا خيار لديها أفضل من إعادة التعاون والتنسيق مع قيادة التحالف الدولي، لأجل تصفية تحرك ونشاطات عناصر داعش، إضافة إلى إنهاء المخاطر التي تحيط بالأهالي في المدن المحررة، لا سيما في كركوك وصلاح الدين". ولفت إلى أن المحافظتين الشماليتين هما الأهم بالنسبة لعناصر "داعش" نظراً لموقعهما. كما أن "كثيراً من زوايا تلك المناطق لا تزال غير مطهرة، وتحتاج إلى طيران التحالف الدولي والتقنيات الاستخباراتية". وبرأيه، "من المهم على السياسيين أن يفكروا في الإمكانيات المتطورة عند التحالف". ووفقاً للبياتي فإن "داعش يستغل حالياً الفراغات الأمنية التي خلقتها انسحابات قوات التحالف الدولي، لا سيما المراقبة الجوية التي باتت غير موجودة في بعض أجواء المدن المحررة".

في السياق، اعتبرت عضو البرلمان العراقي عن تحالف "القوى العراقية"، انتصار الجبوري، أنه "لا بد من التنسيق العسكري بين القوات العراقية والتحالف الدولي في المدن المحررة". وأشارت، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن التحالف الدولي "يمتلك معدات وأدوات وطرقا أمنية متطورة لإنهاء ما تبقى من خطر الإرهاب في مناطق شمال العراق وغربه". وحذرت من أن "مدن الأنبار وكركوك وصلاح الدين هي الأكثر عرضة للمخاطر"، معتبرةً أنه "حتى مع زيادة التعزيزات الأمنية التي تتخذها القوات العراقية تجاه مكافحة الإرهاب، إلا أن تواجد قوات التحالف يمثل غطاءً جيداً وآمناً لتلك المناطق". وخلصت إلى أن "قرار البرلمان العراقي بشأن إخراج القوات الأجنبية من البلاد، هو قرار محترم، لكن علينا في البداية أن نتأكد من نهاية الإرهاب في المحافظات التي تعرضت إلى أزمات أمنية كثيرة. وبطبيعة الحال، فإن السيادة العراقية تتحقق حين تصبح القوات المحلية قوية وقادرة على مسك زمام الأمور".

وبرأي رزاق الحيدري، وهو عضو تحالف "الفتح" (الجناح السياسي لفصائل الحشد الشعبي) في البرلمان العراقي، فإن "ما يُشاع عن إعادة تنسيق مع التحالف، إن كان حقيقياً، فهو يعد خرقاً لقرارات البرلمان التي أصدرها، ومرفوض بكل تأكيد". وأوضح، في اتصال هاتفي مع "العربي الجديد"، أنه "من غير الممكن أن يتم إعادة التنسيق بين القوات العراقية بكل تصنيفاتها، حتى وإن كانت القوة الجوية، وبين القوات الأجنبية سواءً كانت الأميركية أو غيرها من الجنسيات؛ لأن تواجدها تم حسمه من خلال القرار البرلماني الذي قضى بخروجها، ويبقى التنفيذ الحكومي المؤمل إجراؤه من قبل رئيس الحكومة الجديد مصطفى الكاظمي". وفي حين قال إن القوات العراقية تعرضت إلى انتكاسة عام 2014، وتحديداً حين تمكن تنظيم "داعش" من السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، لفت إلى أنها لم تعد كذلك الآن بفضل التدريب والخبرة التي اكتسبتها خلال سنوات الحرب الماضية، وبالتالي لم تعد هناك أي أهمية لتواجد التحالف الدولي الذي يعد أبرز المتهمين بتدمير مناطق عراقية عديدة بسبب الأخطاء في الضربات الجوية، كما أنه في أكثر من طلعة استهداف قوات عراقية ومنها تابع للحشد الشعبي.

ووفقاً للحيدري، فإن "المؤسسة العسكرية العراقية لطالما أقرّت بعدم الحاجة إلى قوات التحالف الدولي، وعلى هذا الأساس تم التصويت في البرلمان العراقي لصالح إخراجها، وهي الآن غير مهمة باعتراف ذوي الاختصاص من العسكريين، ومرفوضة سيادياً عبر قرار البرلمان". وصوّت مجلس النواب العراقي، مطلع العام الحالي، في جلسة استثنائية بحضور رئيس الوزراء في ذلك الحين، عادل عبد المهدي، على قرار يلزم الحكومة بالعمل على إنهاء طلب المساعدة المقدم منها إلى التحالف الدولي بقيادة واشنطن وإنهاء أي تواجد للقوات الأجنبية على الأراضي العراقية، وذلك بعد يومين من اغتيال الولايات المتحدة لسليماني والمهندس. وأعربت الخارجية الأميركية في حينه عن ما وصفته بـ"خيبة الأمل" إزاء هذا القرار، داعية السلطات العراقية إلى إعادة النظر فيه.

لكن العميد المتقاعد من الجيش العراقي، رياض الحمداني، وهو أحد المشاركين في معارك تحرير الموصل 2017، قال لـ"العربي الجديد"، "إن عودة التحالف ليست ترفاً بل من أجل الأمن العام في البلاد". وأضاف أن العراق أمام حدود مفتوحة من جهة سورية، كما يواجه مشاريع من قبل دول أخرى، ستثير فيه المشاكل في حال تطلبت مصلحتها ذلك. وأضاف أن "داعش بات بنادق مستأجرة، والقدرات العراقية ممتازة، لكن ليس عيباً أو خللاً عدم المكابرة والقول إننا بحاجة إلى دعم جوي على أقل تقدير". وأعرب عن اعتقاده بأن "عودة عمليات التحالف لن تكون أكثر من غطاء جوي تشكل مظلة للقوات العراقية في تحركاتها".

المساهمون