التجمعات البدوية الفلسطينية... خيم في مواجهة كورونا والاحتلال والتهميش

24 مايو 2020
الصورة
كيف حمايتهما من كورونا والاحتلال؟ (فرانس برس)

في حين يلازم ملايين البشر منازلهم حول العالم وسط أزمة كورونا، يجهد الفلسطينيون في التجمّعات البدويّة لتثبيت عواميد خيمهم لعلّها تقي أطفالهم من الفيروس الجديد، ومن قبله الاحتلال الذي لا علاج له.

كيف للبدوي أن يُحبس في خيمته للوقاية من فيروس كورونا الجديد، وهو في الأساس مطارد طيلة الوقت ومطالب بالرحيل قسراً من وقتٍ إلى آخر، بسبب مناورات جيش الاحتلال الإسرائيلي في المضارب والتجمعات البدويّة وما حولها من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها مروراً بوسطها، علماً أنّها تقع بمعظمها من ضمن المنطقة المصنّفة "ج" وفق اتفاقيّة أوسلو.

لا تخفي سعاد أبو عبيد، من تجمّع مسافر يطا في جنوب الخليل جنوبي الضفة الغربية، شعورها بالخوف عندما اقترب أحد العمّال الذي يطارده الاحتلال من أولادها، هو الذي كان على احتكاك بسائق فلسطيني مصاب بفيروس كورونا الجديد ويهرّب عمّالاً فلسطينيين إلى الأراضي المحتلة في عام 1948 مروراً بأراضي مسافر يطا، فلا لجان طوارئ ولا سلطة لدى الفلسطينيين لمراقبة حركة العمّال هناك. تقول أبو عبيد لـ"العربي الجديد" إنّ "جيش الاحتلال كان يطارد مجموعة من العمّال الذين لا يحملون تصاريح دخول إلى الأراضي المحتلة في عام 1948. وحتى يخلّص نفسه، قام أحد العمّال بمداعبة أطفالي أمام جنود الاحتلال لإيهامهم بأنّهم أولاده، وكانت الصدمة أنّ هذا العامل نقله سائق فلسطيني مصاب بفيروس كورونا، وقد حمل طفلتي البالغة من العمر ستّة أشهر واقترب من حفيدي وعمره عام ونصف العام".

لم تعمد أيّ جهة فلسطينية مختصّة إلى معاينة أولاد سعاد أبو عبيد، وهم ستّ بنات وابنان أحدهما متزوّج ولدَيه ولدان، كذلك لم يبلغهم أحد بضرورة حجر أنفسهم لمدّة 14 يوماً. وتخبر أبو عبيد: "أبلغنا مجلس قروي المسافر أنّ العامل الذي احتكّ بأولادنا غير مُصاب وكذلك الأمر بالنسبة إلى أفراد عائلته، بالتالي لم نخضع لأي فحوصات تؤكد خلوّنا من العدوى من عدمه". وتؤكد أبو عبيد أنّه "على الرغم من غياب الاهتمام بالمناطق والتجمّعات البدويّة من قبل الجهات الفلسطينية الرسمية، لا سيّما الصحية منها، فإنّ الأمهات يواظبنَ على توجيه أولادهنّ إلى غسل أيديهم باستمرار كإجراءٍ مقدورٍ عليه".

والتجمّعات البدويّة، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، لا تندرج من ضمن المناطق الموبوءة بفيروس كورونا الجديد، وبناءً عليه ينصبّ اهتمام الوزارة أوّلاً على مناطق أخرى. ويوضح مدير قسم الطب الوقائي في وزارة الصحة علي عبد ربه لـ"العربي الجديد" أنّ "لا إصابات حتى الآن بفيروس كورونا في التجمّعات البدويّة، ونحن نعمل على تكثيف جهدنا أكثر في المناطق الموبوءة والقريبة من جدار الفصل العنصري ونقاط التماس"، مؤكداً "نحن لم ننسَ هذه التجمّعات، لكنّ الموضوع يتعلق بالأولويات".

جنود الاحتلال يمنعون نقل الياه إلى أحد التجمّعات (حازم بدر/ فرانس برس)

يرى مراقبون أنّ التجمّعات البدويّة البالغ عددها نحو 450 تجمّعاً، أكبرها في الأغوار الفلسطينية، بما فيها الشمالية والجنوبية والوسطى في الضفة الغربية المحتلة والتي تضمّ أكثر من 250 تجمّعاً، بالإضافة إلى جنوب الخليل، هي الأكثر تعرّضاً لاعتداء الاحتلال ومستوطنيه، إذ إنّها أكبر حدود مفتوحة معه. وتلك الحدود المفتوحة تعرّض التجمّعات البدويّة لخطر كورونا بشكل أكبر لاعتبارات تتعلّق بغياب الرقابة الفلسطينية على حركة السكان من جهة، ومن أخرى على حركة العمّال وسماسرة تهريب العمّال، عدا عن استغلال المستوطنين وجنود الاحتلال المساحات المفتوحة جغرافياً مع الفلسطينيين في تلك التجمّعات، فيما دفع انشغال المجتمع الدولي بفيروس كورونا الاحتلال والمستوطنين إلى القيام بما يشاؤون من دون أن تطاولهم عين كاميرا حتى، في ظلّ مساعٍ إسرائيلية محمومة لضمّ الأغوار منذ سنوات طويلة وقد عزّزها تأييد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلال إعلان صفقة القرن.

يقول رئيس مجلس قروي المالح والأغوار الناشط عارف دراغمة لـ "العربي الجديد" إنّه "لا استعدادات وقائية للفلسطينيين في التجمّعات البدويّة لمواجهة فيروس كورونا، إنّما الأمر متداول في نشرات الأخبار فقط. وسكان هذه التجمّعات يُلاحقون يومياً من قبل المستوطنين، ونحن لا نعرف إذا كان هؤلاء مصابين بفيروس كورونا أم لا، عدا عن تدريبات جيش الاحتلال ومناوراته بين السكان في حين أنّ أيّاً من الجنود لا يضع كمامة على وجهه". ويشير دراغمة إلى أنّه "في خلال شهرَي مارس/ آذار وإبريل/ نيسان الماضيَين، سُجّلت 120 حالة اعتداء من قبل مستوطنين على فلسطينيين في التجمّعات البدويّة في منطقة الأغوار، من قبيل ملاحقتهم في أثناء رعي مواشيهم والاعتداء عليهم في منازلهم، بالإضافة إلى توجيه أكثر من 160 إخطاراً، عدا عن مصادرة معدّات زراعية كما حصل في منطقة الجفتلك".



من جهته، يقول رئيس مجلس قروي مسافر يطا نضال يونس لـ"العربي الجديد" إنّ "في تجمّعات أمّ الخير وخشم الدرج والهذالين والنجادة البدويّة، وهي أربعة تجمّعات رئيسية تضمّ 12 تجمّعاً صغيراً، عدا عن تجمّعات يتشابه نمطها بحياة البدو فيما أصول سكانها تعود إلى القرى، ويصل مجموعها الكلي إلى 22 تجمّعاً تشكّل مسافر يطا، فإنّ مشكلة مواجهة فيروس كورونا تكمن في أنّ الحدود مع الاحتلال والمستوطنين مفتوحة"، مضيفاً أنّ "أراضينا مسرح لتهريب العمّال وعودتهم". ويوضح يونس أنّ "عدد الإصابات بفيروس كورونا الجديد ارتفع في القرى البدويّة الخاضعة للسيطرة الكلية لدولة الاحتلال (الإحصاءات لدى الاحتلال فقط) منذ عقود طويلة، وهي على خطّ التماس مع التجمّعات البدويّة الواقعة في المناطق المصنّفة "ج" ولا يتمتع أهلها بخدمات كافية من قبل السلطة الفلسطينية ولا حصانة وقائية من الفيروس".

ويشير يونس إلى أنّ "ثمّة قرى بدويّة في داخل الخط الأخضر قريبة منا في مسافر يطا، مثل رهط وحورة، وقرى بدويّة تابعة لمدينة بئر السبع في النقب الصحراوي في الأراضي المحتلة في عام 1948، لا معابر أو حواجز بيننا وبينها بل طرقات ترابية تسلكها مركبات السكان من الجانبَين". ويحكي عن "تآمر فيروس كورونا مع الاحتلال في التضييق على الفلسطينيين في تجمّعاتهم البدويّة، إذ إنّهم أصلاً ممنوعون من البناء أو التوسّع العمراني في تلك المناطق، ومنازلهم هي عبارة عن غرفة أو اثنتَين على الأكثر، بالتالي لا إمكانية للحجر المنزلي للعمّال العائدين من الداخل المحتلّ في هذه التجمّعات". وبحسب ما يشرح يونس، "فإنّ سكان المسافر بمعظمهم يمتهنون الزراعة وتربية المواشي، ونحو 100 فقط منهم يعملون في مجال البناء في الأراضي المحتلة في عام 1948"، مشدداً على أنّ "بيوتنا صغيرة، وهي غالباً خيم وبيوت من الطوب والزينكو (الصفيح)، وهو ما يجعل تطبيق الحجر الصحي على أحدهم أمراً غير ممكن في مثل هذه البيوت. لذا عملنا مع إحدى المنظمات الدولية على نصب خيام منفصلة عن البيوت خصّصناها لحجر العمّال العائدين".
هدم وتجريف في الجفتلك في الأغوار الفلسطينية (فيسبوك)

في السياق، يقول الناشط عارف دراغمة من الأغوار لـ"العربي الجديد" إنّه "في القرى الواقعة في الأغوار، تشكّلت لجان طوارئ فلسطينية كمحاولة لمواجهة تفشّي فيروس كورونا الجديد، لكنّ التجمّعات البدويّة لم تنل نصيبها من ذلك واقتصر الاهتمام بها فقط على توزيع مستلزمات تعقيم من قبل بعض المؤسسات والجمعيات الأهلية". ومن جهته، يشير الناشط في المقاومة الشعبية صلاح الخواجا لـ"العربي الجديد": "نعمل على أربع قضايا تخصّ كورونا في التجمّعات البدويّة وهي توزيع المعقّمات وطرود غذائية، وسنعمل في الأيام المقبلة على تعزيز زراعة البدوي للخضراوات التي قد تكفيه وربّما تُفيده من خلال دخل إضافي، إلى جانب التعليم عن بُعد".

ويخبر يونس في هذا الإطار أنّه "حاولنا تحديد مسارات حركة السكان بالتنسيق في ما بينهم بعيداً عن التجمّعات، وقد تطوّع عدد من المواطنين لخدمة التجمّعات، فعمدوا إلى توزيع المعقّمات، وتوزيع نشرات إرشاد وتوعية تتعلق بإجراءات الوقاية من الفيروس، وتنبيه السكان للابتعاد قدر الإمكان عن جنود الاحتلال والمستوطنين عند اقتحام التجمّعات، ووضع الكمامات والقفازات الواقية في حال حصول ذلك، خصوصاً أنّ عمليات الاقتحام أو احتكاكات المستوطنين بمعظمها متعمّدة".



تجدر الإشارة إلى أنّه ومنذ ظهور فيروس كورونا الجديد في فلسطين، توجّهت أنظار القائمين على العملية التعليمية في مدارس الضفة الغربية إلى التعليم عن بُعد كحلّ مؤقت، لا سيّما لتلاميذ الثانوية العامة (التوجيهي)، لكنّ الفلسطيني البدوي يعاني من جرّاء انقطاع الكهرباء والإنترنت في خيمته أو بيت الصفيح الذي يؤويه. ويقول الخواجا: "خصّصنا مدرّساً لتلاميذ الثانوية العامة في التجمّعات البدويّة ليشرح لهم دروسهم فيتمكّنوا من الخضوع للامتحان المزمع إجراؤه في آخر مايو/ أيار الجاري. وهذا الأمر ما هو إلا جزء من أهدافنا المستجدة وسط أزمة كورونا في إطار حملتنا: الحق في التعليم. ومن خلالها سنحاول تحسين البيئة التعليمية في التجمّعات البدويّة، التي لولا انتشار فيروس كورونا لكنّا بدأنا في تنفيذه في هذه المناطق".