البيك خالد بكداش قوطرش!

البيك خالد بكداش قوطرش!

23 يناير 2019
+ الخط -
شحنونا بباصات الهوب هوب كطرش غنم مُذعن قاصدين الشام لتقديم التهاني والتبريكات بعيد ميلاد ستالين العرب! خالد بكداش..

كان مولعاً بالحديث عن جوزيف ستالين ومبرراً لكل عسفه وأفعاله المرعبة بحق كادرات الحزب الشيوعي السوفييتي حين تولى الأمانة العامة لهذا الحزب وأصبحت سلطته مطلقة بعد أن قام بتصفية رفاقه في المكتب السياسي، عبر حملة تطهير واسعة تجاوزت كل وصف، وأصبح الحاكم الأوحد لإمبراطورية ضخمة وذلك بعد اغتياله لخصمه اللدود ليون تروتسكي.

حين وصلنا مكتب الحزب في حي المزرعة الدمشقي، كان الرفاق والرفيقات قد أصابهم التعب لتجشمهم عناء السفر الطويل، لكنهم كانوا متحمسين للالتقاء بقائد الحزب الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، خاصة لكارزميته الشخصية التي يمتع بها وموقفه الطبقي الصلب من قوى الرأسمالية العالمية ومقته للإقطاعية كتشكيلة اقتصادية اجتماعية متخلفة وظلامية، وكذلك تصدّره للمواقف الجريئة إبان فترة النضال الوطني السوري للمستعمر الفرنسي ومطالبته بجلاء آخر جندي فرنسي وإنكليزي عن أرض الوطن..


فهو القائل: "لن نبقي للفرنسيين كركوناً واحداً على أرض سورية"، ومن هنا جاءت محبة الشيوعيين لقائدهم إلى درجة التقديس، حيث نسبة غير قليلة منهم سمّوا أبناءهم باسمه أو اسم ابنه أو ابنته أو زوجته، حتى أني أطلقت عليهم لاحقاً لقب آل البيت، وهذا ما حدث فعلاً من خلال توريث الحزب "العزبة" لآل البيت البكداشي، من أجل الحفاظ على مسك البوصلة بالاتجاه الصحيح، وكأن قواعد الحزب وكادراته ما هي سوى قطيع من الغشم و"الطشم" تفتقر للنجابة وللحكمة ولرسم السياسات الصائبة!

كانت صالة المكتب صغيرة والحضور كُثر والكل يردد: "خالد حزبنا - حزبنا خالد"!، وكأنهم بحلقة ذكر صوفي تُظهر بجلاء مدى تأثير عبادة الفرد على الآخرين وتعلقهم بالقائد الصدفة أو القائد الضرورة! وهنا تذكرت ما قاله عبد الرحمن الكواكبي عن عبادة الفرد وسطوة الاستبداد ومآلاته: "الاستبداد يقلب السير من الترقي إلى الانحطاط".

وحين طال الانتظار وبدأ الملل يصيب المحتفين بالمناسبة رفعت صوتي متسائلاً: "أين الرفيق أبو عمار.. لماذا لم يظهر؟)، فرد أحدهم انه مجتمع بأعضاء منطقية حلب، وهنا لم أستطع الصمت فقلت: "يا رفيق لنرمِ السلام عليه ونعايده ونغادر وليظل مجتمعاً بهم للغد".

نظر إليّ العامل والنقابي الشيوعي العجوز ربيع محبك، هذا الذي مثّل دوره الممثل القدير فارس الحلو في مسلسل "خان الحرير" بعد أن أخذه الإعياء وضاق صدره لانعدام الأوكسجين في هذا الحيز الضيق قائلاً: لن يردوا عليك يا رفيق.

وأخيرا بان الهُدى وسع المدى وأطل أبو عمار بقامته الفارعة مرتدياً بزة بسيطة، (حيث علمت لاحقاً أن الظهور بها مجرد دعاية فهو حين يزور موسكو يرتدي ما غلى من الثياب!)، ليعلن أن الاشتراكية قادمة من كل بلد وقال: صحيح أني لن أشهدها لكني متيقن (وأشار هنا للفتية الصغار الذين قدموا مع أهلهم للتبارك بمصافحة أبو عمار)، هؤلاء الصغار سيشهدونها.

وحين سأله أحد الرفاق عن ضرورة إصدار الحزب لبيان يوضح من خلاله موقفاً شفّافاً من البيريسترويكا والغلاسنوست الجارية بقيادة غورباتشوف في الاتحاد السوفييتي آنذاك، رد بنزق: نحن مع الاتحاد السوفييتي ببيريستروكا أو بدونها!

كان الرد بالنسبة لي صاعقاً، وحين عدنا قافلين إلى حلب قلت لأحدهم وهو عضو قيادي ومعجب بشخص خالد بكداش: لم أفهم ما قاله أبو عمار؟ ولماذا لا نتوقع أن يأتي ذاك اليوم والذي لن نجد به الاتحاد السوفييتي معنا؟.. وهذا ما حدث لاحقاً.
B3B9992A-7FF9-4929-A335-A7E6C89340AB
مصطفى الدروبي