في الممانعة وأشياء أخرى

في الممانعة وأشياء أخرى

02 فبراير 2019
+ الخط -

منذ أن مكّن الغرب الاستعماري الصهاينة من إقامة كيان لهم على أرض فلسطين، أصبحت قضية الشعب الفلسطيني هي الشغل الشاغل للعرب من محيطهم إلى خليجهم. وأضحت الأجيال المتعاقبة مهجوسة بهذا الهم المزمن، بسبب الحيف الذي أصاب العرب عموماً، ولخصوصية المشروع الإسرائيلي، وخطره الداهم على المنطقة وأحلامها ومشاريع شعوبها ومستقبل أجيالها، مما جعل الأنظمة العربية أمام استحقاق طالبت به هذه الشعوب على الدوام، ألا وهو إعداد العدة والعتاد والجيوش لاستعادة فلسطين ودحر المشروع الصهيوني، وعدم تكرار التقصير الذي وصل إلى حد الخيانة عام 1948، والتي لخصها القائد الشهيد عبد القادر الحسيني عندما كتب إلى أمين الجامعة العربية حينها عبد الرحمن عزام: "إني أحملكم المسؤولية بعد أن تركتم رجالي في أوج انتصاراتهم بدون عون أو سلاح".

واليوم وبعد سبعة عقود خلت تبين أن هذه الأنظمة جعلت من فلسطين قميص عثمان. فالكل تاجر بها، ودبج الخطب العصماء بحقها! دون أن يتحرر شبرٌ منها. بل توسعت إسرائيل أكثر فأكثر، حيث جاءت هزيمة حزيران عام 1967 لتسقط ورقة التوت عن النظام العربي العاجز، والذي بدلاً من أن يمنح الشعوب الحرية لنقد الهزيمة وتبيان أسبابها، رفع شعاره المخزي "لا صوت يعلو على صوت المعركة". فتغوّلت أجهزة الأمن معممة ثقافة الخوف والرقابة الصارمة والبطش الاحترازي، بعد أن تحولت الجمهوريات العربية إلى مزارع عائلية تشيع الفساد والإفساد وتدمر منظومة القيم الوطنية الأصلية وتعزز عبادة الفرد ناصبة أصنام الطغاة عند كل حدب وصوب.

وأكثر هذه الأنظمة تجارة بقضية فلسطين كان نظام حافظ الأسد والتي ضاعت على يديه هضبة الجولان الغنية بمياهها ومواردها الزراعية وموقعها الاستراتيجي، عندما كان وزيراً للدفاع، وحين سطا على السلطة عام 1970، اشتغل بشكل ممنهج على ابتزاز الآخرين بحجة الدفاع عن القضية الفلسطينية، حتى إنه ابتزّ قيادة الشعب الفلسطيني في عنترياته بشأن قضية اعتاش عليها الطغاة جميعاً وكان هو أبرزهم. إذْ اعتبر نفسه الوصي الوحيد على قضية العرب الأولى، ودمشق هي القلعة المنيعة لمقاومة المشروع الصهيوني وممانعته!

أما في الواقع فإن ما قام به هذا النظام هو على النقيض تماماً من خطابه الديماغوجي طيلة عقود أربعة. فالممانعة كانت تجرى ضد الشعب السوري، ومنعه من تحقيق أحلامه في الحياة الحرة الكريمة، حيث سورية هي مهد الحضارات وسلة الخيرات وشعبها يمتلك الخبرات المتراكمة عبر الأجيال، إلا أن الفساد والاستبداد اللذين سادا بطول البلاد وعرضها، جعلاها وشعبها خارج دائرة الفعل، فهو مقموع ومطارد على مدار الوقت. وأسرة الديكتاتور استباحت البلاد والعباد، ونهبت مقدراتها، بعد أن مزقت نسيجها الاجتماعي، وأغرقت الشعب السوري بأزمات معيشية لا تنقطع. وحين ثار السوريون مطالبين بدولة الحرية والقانون والعدالة كان الرد عاصفاً من خلال إغراق الشوارع والسوح بدماء الثوار عبر خيار أمني عسكري أهوج وشعار فاجر وقبيح "الأسد أو نحرق البلد".

اليوم وبعد هذه الفاجعة المهولة التي حلت بسورية وأهلها، يعمل حكام الثورة المضادة في العالم العربي مع أسيادهم فيما وراء البحر على تعويم الطاغية ونظامه من جديد، بعد أن فقد كل سيادة أو إرادة، ناسين أن ثورات الشعوب قد تكبو، لكنها لا تهزم.

B3B9992A-7FF9-4929-A335-A7E6C89340AB
مصطفى الدروبي