البلهاء الأوفياء

30 سبتمبر 2019

(سعد يكن)

+ الخط -
على الرغم من مرور الزمن الخاطف، بتقلباته الكثيرة والمربكة التي لم تترك فينا شيئا على حاله، نحن الجماعة الحالمة، على الرغم من شبهة الختيرة. نحن المتمسّكون عنادا بأقلامنا وأوراقنا التي نحبّها صفراء خشنة، وبقهوتنا وعلب سجائرنا المتناثرة، في تحدٍّ أحمق لتعليمات الأطباء بضرورة الإقلاع عنها، المزهوون بخطوط أيادينا المنمقة الجميلة، الفخورون بالكتب القيمة التي اقتصدنا من نفقاتنا كي نقتنيها، واحتلت رفوف مكاتبنا طويلا، قبل أن نتخذ قرارا بالتبرّع بها تخففا. نحن عشاق الماضي البلهاء الأوفياء، وعلى الرغم من الانهيارات والتحولات الكبرى التي عصفت بنا دونما رأفة، ربما كانت ثورة الاتصالات أشدها وقعا في السنوات العشرين الماضية، فقلبت الطاولة علينا، وانتزعت منا ما ألفناه من أدوات التواصل والتعبير التقليدية البسيطة. اقترحت علينا القفزة التكنولوجية الكبرى أشكالا جديدة، تتطلب اكتساب مهاراتٍ عديدةٍ لم نتقنها من قبل، وخلفت بعضنا في حيرة، منا من حاول التمسّك بما شب عليه فأبدى مقاومة (سرعان ما انهارت)، وناصب الكمبيوتر العداء، ونظر إليه بريبة، كونه يشكل تهديدا لمفردات الأصالة التي تقوم عليها ثقافتنا، مصرّين على أن هذا الجهاز المشبوه سيقضي على خيال المبدعين، وقدرتهم على المضي في درب الجمال النقي البريء الحر من تدخل الأزرار. 
أما فئة الواقعيين، أصحاب فكرة ضرورة مواكبة العصر، فقد عقدوا العزم على الانصياع لاشتراطات المرحلة والالتحاق بهذا المد الذي غمر كل شيء، مع اختلاف مستويات التعبير وأشكاله في الخطاب الثقافي العربي الذي اعتراه ما اعتراه من تحولات، وكذلك التغيير الكبير المتسارع الذي طرأ على التكوين الفكري للمتلقين من أبناء الجيل التكنولوجي متنوع الملامح الثقافية المنفتح على آفاق تواصلٍ أكثر رحابةً واتساعا، المعرّض لأنماط معرفية مختلفة كليا.
على الرغم من كل ما سبق من معطيات، ما زلنا نأمل، وبشكل رومانسي يائس، مثير للرثاء أحيانا، بأن لا نضلّ، في غمرة هذا الطوفان الاتصالاتي، الطريق إلى البئر الأولى الذي أشبع مبكرا الظمآن للمعرفة والجمال، بالمعلقات العظيمة التي ظلت في الوجدان، والروايات والقصص وحكايات الجدات عن الغولة والوحوش الضارية. إضافة إلى الزخم والثراء الفطري الذي تنطوي عليه الأمثال الشعبية التي احتفظت طويلا بمكانتها الأدبية والثقافية في الموروث الثقافي الإنساني، وظلت أزمانا من أكثر أشكال التعبير بلاغة وتكثيفا، حيث يكمن إعجازها في أنها، وبعدة مفردات متقشفة، قادرة على التعبير عن أكثر الأفكار عمقا وتعقيدا، كما تميز المثل الشعبي، خصوصا، بالقدرة على إحداث التأثير النفسي القوي والمباشر، لسهولة حفظه، كونه يتضمن براعة وجماليات لغوية قادرة على إحداث الدهشة، ما جعله قابلا للتداول والانتشار، والمكوث في وجدان الناس، معبرا عن منظومة قيم وأخلاق تحكم مجتمعا ما، باعتبارها من أقدم أشكال التعبير الشفهي.
لطالما تردّد المثل الشعبي على ألسنة البشر بصياغة مميّزة، وفي إيجاز لفظي عبقري، معبرا عن الفكرة في أضيق حيز ممكن، وفي إصابة حاذقة للمعنى. واللافت أن المثل الشعبي في اللغة لا يسرد ولا يقال ولا يُشار إليه بل يُضرب به، وذلك في دلالة موحية على عمق تأثيره. ثمّة أمثلة شعبية كثيرة بليغة ما زلنا نتكئ عليها لتوصيل أفكارنا، مثلا "اللي ما بيعرف الصقر بيشويه".. أربع مفردات تغني عن كتابٍ في توصيف الشخص الأحمق الذي لا يقدر الناس حق قدرها، ولا يعرف قيمتها، فيتعامل معها باستخفاف وقلة احترام. ومثال آخر لا يقل بلاغة، كانت تردده جدتي، رحمها الله، في توصيف الرجل الضعيف عديم الفائدة، المثير للخيبة، فتقول "لا هو للسيف ولا هو للضيف ولا هو لعثرة من عثرات الزمان".. الفكرة المرعبة في هذا السياق: ماذا في وسعنا أن نفعل، كي نحمي هذا الإرث الثقافي العظيم من الاندثار في ظل انسلاخ أجيال طالعة، حتمي ومحزن، عن جذورها؟