البحث عن السلطة

08 مارس 2019
الصورة
مروان قصاب باشي/ سورية
+ الخط -

ما قصّة البحث عن السلطة في الكتابة؟ ففي تاريخها كلّه، كان الكاتب مثلاً هو صاحب السلطة في النص الأدبي، ولم يكن يسمح لأحد أن يشاركه في خلق العمل، وقد اعتُبر في رأي كثيرين من الكتّاب أنفسهم خالقاً بالفعل، وأقصى ما تنازل عنه الكاتب في شأن سلطته، هو أن يكون ماهراً إلى حدّ الاختفاء وراء النص والشخصيات والأفكار والأحداث التي خلقها، أو يكون ديمقراطياً مؤمناً بالتعدُّدية، فيسمح لشخصياته بالحرية في اختيار الأفكار والمعتقدات، أو التصرُّف في شؤون الحياة، كما تشاء. وهناك من يقول إن سلطة الكاتب تشمل القارئ أيضاً.

غير أنَّ السلطة بدأت تتحوّل في القرن الماضي، وأخذ يظهر أن النص هو السلطة. فتمّ إبعاد الكاتب، أو نفيه، أو قتله في مرّات أخرى ، إذا لزم الأمر، بإشاعة مصطلح موت المؤلّف، ومنح السلطة الكاملة للنص الأدبي وحده.

غير أن السلطة لم تدم للنص طويلاً، وهي لم تدم طوال التاريخ لأحد، وسرعان ما يأتي من ينتقم من السلطتَين السابقتَين اللتين عُرفتا بالتفرُّد في السلطة، وإشاعة مناخات الاستبداد والدكتاتورية في النصوص الأدبية (المعنِيُّ بالكلام هنا هو الرواية بشكل خاص) فتمنح السلطة للقارئ الذي وُضع دائماً في خانة المتلقّي، أي العنصر السلبي الذي لا يُسأل عن رأيه، أو لا يُحسَب له حساب أثناء عمليات السيطرة التي كانت تتمّ في ظل سلطة الكاتب، أو سلطة النص.

هل نحن هنا أمام تغيير في طبيعة السلطة حقّاً؟ وهل هو تغيُّر جوهري يمسّ المضمون، أم مجرّد لعبة مفردات لا تُضيف أي حقيقة إلى مفهوم السلطة؟ أظنّ أن الأمر هنا يشبه إلى حد بعيد إعلام الأنظمة المستبدّة، حيث يكثر الحديث عن سلطة الشعب، وعن أن كل مؤسّسات الدولة في خدمة الشعب، وأن الشعب هو صاحب الكلمة العليا في تقرير مصيره، بينما يتصرّف حاكم مستبد واحد بكل ما في الدولة المعنية من إمكانات، ولا يمنح الشعب سلطة تقرير أي شيء، بما في ذلك سلطة اختيار شكل الحياة الخاصة التي يرغب فيها.

ولهذا، فإن سلطة القارئ محدودة للغاية، وربما كانت أكثر أنواع السلطة هشاشةً، فلا نزال في زمن نرى فيه من يكتب كي يُعيد تشكيل عقله وفق منظومة فكرية ما، ولا يبتعد الكلام الذي يتحدّث عن الأدب للحياة، أو الأدب للشعب، عن مفاهيم الوصاية على القراءة التي تعتبر أن لها وحدها السلطة في رسم الثقافات المقرّرة.

وإذا كان النقد هو الذي يبتكر معظم هذه المفاهيم، فإننا لم نتحدّث حتى اليوم عن سلطة النقد أو الناقد، وربما تقف وراء هؤلاء السلطة السياسية (الرقيب سلطة على الكاتب والنص والقارئ معاً) حيث تستطيع الأنظمة أن تُقرّر لمن تمنح الحقّ في الحضور العلني والتواجد في ساحة الأدب. ويمكن أن تكون وصية على الكتابة. خُذ مثلاً سلطة لجان التحكيم، أو سلطة المانحين. السؤال هو: لِم كلّ هذا البحث عن السلطة؟

ومن الذي يتخفّى وراء هذا البحث عن السلطة؟

المساهمون