الإرهاب يشنّ الحرب على بريطانيا: مدينة مانشستر تستعيد رعب هجمات عام 2005

لندن
نواف التميمي
24 مايو 2017
+ الخط -
يضرب الإرهاب مُجدداً في عمق الأراضي البريطانية مستهدفاً هذه المرة، مدينة مانشستر، التي تُعد من أكبر مدن المملكة المتحدة بعد العاصمة لندن، ومدينة بيرمنغهام المجاورة.
ويأتي الاعتداء الإرهابي الذي استهدف قاعة حفلات "مانشستر ارينا"، التي تتسع لـ21 ألف شخص في نهاية حفل للمغنية الأميركية أريانا غراندي، وتبناه تنظيم "داعش مشيراً إلى أنه تم تنفيذه بعبوات ناسفة، بعد أيام قليلة من حملات اعتقال شنّتها أجهزة الأمن البريطانية في أكثر من مدينة، واعتقلت فيها عدداً من المشتبه بتخطيطهم لأعمال إرهابية.

كما يأتي الاعتداء الذي خلف 22 قتيلاً وأكثر من 50 جريحاً، بينهم مراهقين وأطفال، والذي أثار حالة من الهلع طوال يوم أمس تجلت بشكل خاص بعدما تم إخلاء مركز آرنديل التجاري في مانشستر بعد "سماع دوي هائل" قبل أن يتبين عدم صحة هذه الأنباء، بعد تحذير أطلقه في فبراير/ شباط الماضي الرئيس الجديد لجهاز مكافحة الإرهاب في بريطانيا، ماكس هيل، وقال فيه أن بريطانيا تواجه أخطر مستوى من التهديدات الإرهابية منذ هجمات الجيش الجمهوري الأيرلندي في لندن في سبعينات القرن العشرين.

وكشف هيل آنذاك النقاب عن تخطيط مقاتلي تنظيم "داعش" لشنّ اعتداءات عشوائية على مدنيين أبرياء في بريطانيا، على نطاق مماثل للاعتداءات التي شنها الجيش الجمهوري الإيرلندي قبل 40 عاماً. وأكد هيل على خطر البريطانيين العائدين من جبهات القتال إلى جانب التنظيمات الإرهابية في العراق وسورية. ولا يخفي "داعش" تهديده لبريطانيا إذ أُظهرت خريطة وزعها إعلام "داعش" في نهاية العام الماضي أن هجمات "الذئاب المنفردة" التي يخطط التنظيم لتنفيذها في المملكة المتحدة ستكون الخطوة الأولى، في خطة التنظيم لـ"الهيمنة على أوروبا بحلول عام 2020".




تحدي الاستراتيجية الأمنية الوقائية
ولا تزال الكثير من ملابسات اعتداء مانشستر لم تتكشف بعد، على الرغم من تبني "داعش" للاعتداء في أعقاب وقت قصير من بدء حسابات لمناصريه الترويج بالجريمة، وتأكيد رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، أن "الشرطة والاستخبارات تعتقد أنها تعلم بهوية المنفذ (الذي قُتل بينما كان يحاول تفجير عبوة ناسفة يدوية) لكن لا يمكنها تأكيد اسمه في هذه المرحلة"، فضلاً عن اعتقال رجل يبلغ من العمر 23 عاماً في جنوب مانشستر في إطار التحقيق. والهجوم الذي وصفته صحيفة "ذي غارديان" بالأسوأ منذ هجمات 2005 في لندن، يُعد تحدياً للاستراتيجية الوقائية التي تبنتها الحكومة البريطانية منذ عام 2011، كجزء من الخطة الشاملة لمكافحة الإرهاب. 

وتقوم استراتيجية الوقاية الأمنية على أربع دعائم: المتابعة لوقف الاعتداءات الإرهابية، منع الأفراد من الانضمام للمنظمات الإرهابية أو المنظمات المتطرفة، بما فيها منظمات اليمين المتطرف، تعزيز إجراءات الحماية ضد الهجمات الإرهابية، معالجة آثار أي هجوم إرهابي في حال وقوعه بشكل سلس وهادئ. أما الخطة الشاملة التي وضعتها أجهزة الأمن البريطانية على مراحل تصاعدية خلال السنوات الخمس الأخيرة، فتركز أساساً على تعقب المتشددين من أعضاء التنظيمات الإرهابية المتشددة، بل تمتد الى كل من يدعم أو يتبنى الأفكار والأهداف الأيديولوجية للجماعات الإرهابية، لتشمل إغلاق المساجد التي تحرض على التطرف، ووقف الإذاعات والقنوات التلفزيونية التي تروّج للفكر المتطرف. ويضاف إلى ذلك إجراءات من قبيل تشديد الرقابة على المهاجرين إلى بريطانيا، حظر المنظمات المتطرفة ومنح أجهزة الأمن صلاحية أوسع لرصد الاتصالات، وتخزين بيانات المشتبه فيهم في إطار خطوات أسرع وإجراءات أشمل لتتبّع حركة الإرهابيين وإحباط هجمات محتملة، وإغلاق المكاتب والمقرات التي يشتبه في تحريضها على التطرف وتبني إيديولوجية الكراهية.

ويتوقع أن يفضي الاعتداء إلى مراجعة هذه الاستراتيجية في بريطانيا، في ظل اجتماعات أمنية عدة شهدتها بريطانيا أمس، بما في ذلك ترأس ماي اجتماعاً للجنة "كوبرا" الحكومية للطوارئ لبحث تداعيات الانفجار، أعلنت بعده أن الاعتداء كان يهدف إلى التسبب بسقوط "أكبر عدد من الضحايا"، مشيرة إلى أن المهاجم تصرف "بدم بارد" عندما استهدف أطفالاً، في وقت أجمعت المواقف البريطانية على التنديد بالاعتداء، بما في ذلك، وصفه من قبل ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية بأه "عمل همجي".

فرصة انتخابية لليمين
ألقى هجوم مانشستر بظلال ثقيلة على الانتخابات العامة التي تستعد بريطانيا لإجرائها في الثامن من شهر يونيو/حزيران المقبل. واتفقت الأحزاب السياسية في بريطانيا على تعليق الحملات الانتخابية حتى إشعار آخر في أعقاب انفجار مانشستر. ويخشى مراقبون من تأثير الاعتداء على توجهات الناخبين، ودفع بعضهم للتصويت لصالح الأحزاب اليمينية التي طالما وظفت مثل هذه الاعتداءات لتحشيد الرأي العام ضد المهاجرين والأقليات، خصوصاً المسلمين.
 وحذرت صحف بريطانية من خطر استغلال تيار اليمين المتطرف للحادث الارهابي لأجل الرفع من شعبيته عبر استثارة المشاعر المعادية للأجانب والمهاجرين. كما رأت صحف بريطانية أن أحزاب اليمين البريطانية وفي مقدمتها، حزب "الاستقلال"، عادة ما توظف هذه المناسبات لتعزيز شعاراتها المعادية للهجرة والمهاجرين، والداعية الى الانعزال حتى عن أوروبا، لا سيما أن آخر استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات البريطانية المقبلة أظهرت تراجع أصوات حزب استقلال المملكة المتحدة اليميني المتطرف من 12.6 في المائة إلى 3 في المائة. ولا يستبعد أن يؤثر الهجوم الإرهابي سلبياً على حزب العمال اليساري الذي أظهرت استطلاعات الرأي نجاحه في تقليص الفارق بينه وبين حزب المحافظين إلى 9 نقاط لصالح حزب المحافظين، لافتة النظر إلى أنها المرة الأولى التي يقل فيها الفرق بين الحزبين عن 10 نقاط، منذ الإعلان عن الانتخابات المبكرة في 18 إبريل/ نيسان.

ارتدادات عالمية
من جهة ثانية ينتظر أن تتمدد ارتدادات الاعتداء لتطاول الإجراءات الأمنية في عدد من دول العالم بالتزامن مع موجة التنديد الواسعة بالهجوم، وهو ما ترجم في إعلان دول عدة بدءاً من الولايات المتحدة مروراً باليابان وسنغافورة تشديد إجراءات الأمن قبل المناسبات الرياضية والترفيهية الكبرى في أعقاب الاعتداء في بريطانيا. وفيما وصف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منفذي الاعتداء بأنهم "أشرار خاسرون في الحياة"، اعتبر أن "الإرهابيين والمتطرفين والذين يقدمون لهم العون ويوفرون لهم سبل الراحة يجب أن يخرجوا من مجتمعنا للأبد. لا بد من محو هذا الفكر الخبيث، وأنا أعني محوه تماماً". في موازاة ذلك، قالت وزارة الأمن الداخلي الأميركية إنها تتابع عن كثب تداعيات الاعتداء وأن الأميركيين قد يشهدون تصعيداً في إجراءات الأمن في المناسبات العامة. بدورها أعلنت اليابان إنها بدأت في جمع المعلومات. وقال كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، يوشيهيد سوجا، للصحافيين "عززنا موقفنا بتأسيس وحدة لجمع المعلومات مختصة بالإرهاب الدولي".

وفي سنغافورة قال منظمو حفل المغنية الأميركية بريتني سبيرز المقرر إقامته في يونيو/ حزيران إنهم يدرسون اتخاذ المزيد من الإجراءات. وأجرت سنغافورة، التي تستضيف قمة أمنية في الفترة من الثاني إلى الرابع من يونيو/ حزيران تضم قادة الدفاع والجيوش من مناطق آسيا والمحيط الهادئ، تعديلات على قانون النظام العام الشهر الماضي. ويطالب التعديل منظمي المؤتمرات والاحتفالات بإبلاغ الشرطة قبل شهر مع موعد الحدث إذا ما كانوا يتوقعون حضور أكثر من خمسة آلاف شخص. وقد ترفض الشرطة التصريح بالتجمع إذا كان له غاية سياسية مباشرة أو يتعلق بأجانب.
كما أعلنت شركة آسيا ورلد اكسبو في هونغ كونغ التي تنظم حفلاً لأريانا غراندي في سبتمبر/ أيلول المقبل إنها ستعزز إجراءات الأمن في جميع الحفلات والأحداث التي تنظمها. وأضافت الشركة في بيان أنها ستضع أجهزة كشف عن المعادن وتستعين بكلاب بوليسية إلى جانب تفتيش الحقائب. وفي تايبيه عاصمة تايوان، التي تستضيف دورة الألعاب الصيفية للجامعات في أغسطس/ آب المقبل، قال مسؤولون إنهم بالفعل على أعلى مستوى من الاستعداد. وقال المتحدث باسم الدورة، روني يانج، "سنعزز الإجراءات بدرجة أكبر بعد الهجمات الإرهابية في الخارج مثل هجوم بريطانيا". من جهته، قال رئيس الوزراء الإيطالي، باولو جنتيلوني، أمس الثلاثاء، إن اجتماع زعماء دول مجموعة السبع الذي يعقد في صقلية الأسبوع الحالي سيتعهد بمحاربة الإرهاب في أعقاب الاعتداء. وأوضح جنتيلوني، للصحافيين، أن زعماء الدول الأعضاء في مجموعة السبع سيجتمعون في تاورمينا بداية من يوم الجمعة وسيبعثون "بأقوى رسالة ممكنة بتعهد موحد واستثنائي ضد الإرهاب".

سلسلة الاعتداءات الإرهابية في بريطانيا
ويعد اعتداء مانشستر الأحدث في سلسلة اعتداءات تعرضت لها بريطانيا بدءاً من عام 2005؛ ففي 7 يوليو/ تموز 2005، شهدت بريطانيا أربعة اعتداءات منسقة في ساعة الذروة، في ثلاثة من قطارات الأنفاق وحافلة، ما أسفر عن سقوط 56 قتيلًا و700 جريح. وتبنت الهجمات مجموعة تابعة لتنظيم القاعدة.
وفي 21 يوليو/ تموز، فشلت أربع محاولات جديدة لتنفيذ اعتداءات مماثلة ومنسقة داخل مترو وباص في لندن، إذ أن القنابل التي استُخدمت لم تنفجر بسبب خلل في تصنيعها. وبحسب القضاء، فإن سلسلتي الاعتداءات مترابطتان.

وفي 30 يونيو/ حزيران 2007 كان مطار غلاسكو الواقع في جنوب غرب اسكتلندا هدفاً لمحاولة اعتداء، عندما صدمت سيارة مشتعلة وممتلئة بالغاز والوقود والمسامير مبنى المطار من دون أن تنفجر.
وكان هندي يقود الشاحنة، وقد أصيب إصابة بالغة بعد أن صب على نفسه الوقود وتوفي بعد شهر. وكان إلى جانبه طبيب عراقي تم توقيفه وحكم عليه في 2008 بالسجن لمدى الحياة. وجاء هذا الهجوم غداة العثور في لندن على سيارتين مفخختين قبل انفجارهما.
أما في 22 مايو/ أيار 2013، فقُتل الجندي لي ريغبي (25 سنة) بسلاح أبيض على يد بريطانيين من أصل نيجيري بالقرب من ثكنة عسكرية لسلاح المدفعية الملكية في حي وولويتش جنوب شرق لندن. استنادًا إلى شهود، شجع الجانيان المارة على تصويرهما وهما ينهالان طعناً على ضحيتهما ويهتفان "الله أكبر"، قبل إلقاء القبض عليهما. وفي تسجيل تم تصويره بعد الاعتداء مباشرة، قال أحد الجناة إنه أراد الانتقام "للمسلمين الذين قتلهم جنود بريطانيون".

كما شهد عام 2015 مزيداً من الاعتداءات. في 5 ديسمبر / كانون الأول 2015، أقدم محيي الدين مير المولود في الصومال على طعن شخصين بسكين في مدخل محطة ليتونستون للمترو في شرق لندن، وأصابهما بجروح. وجاء الاعتداء بعد يومين على أولى الضربات الجوية البريطانية التي استهدفت تنظيم "الدولة الإسلامية" في سورية. ووصفت السلطات الاعتداء بـ"الإرهابي"، فيما حكمت المحكمة على محيي الدين مير بالسجن المؤبد.
وخلال العام الحالي، تحديداً في 22 مارس/ آذار 2017، دهس خالد مسعود (52 عاماً)، وهو بريطاني مسلم، بسيارته عدداً من المارة وطعن شرطياً حتى الموت على جسر ويستمنستر أمام مبنى البرلمان في لندن، قبل أن تطلق عليه الشرطة النار وتقتله. وأعلن تنظيم "الدولة الإسلامية" مسؤوليته عن الاعتداء، لكن سكوتلانديارد أعلنت أنها لم "تجد أدلة على مبايعة" مسعود لتنظيم الدولة الإسلامية أو القاعدة. وأعلنت الشرطة البريطانية في مارس أن أجهزة الأمن أحبطت "13 محاولة اعتداء إرهابية منذ حزيران/يونيو 2013".

دلالات

ذات صلة

الصورة

سياسة

شنت قوات الأمن في مدينة إسطنبول التركية، فجر اليوم الخميس، عملية أمنية ضد تنظيم "داعش".
الصورة
قمة الاتحاد الأوروبي/بروكسل/Getty

سياسة

اتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات قانونية ضد بريطانيا، الخميس، بسبب خططها لتمرير تشريع من شأنه خرق عدد من بنود اتفاق بريكست الذي توصل إليه الجانبان أواخر العام الماضي.
الصورة
BRITAIN-POLITICS-MIGRANTS-REFUGEES-DEMO Demonstrators gather for a march calling for the British parliament to welcome refugees in the UK in central London on September 17, 2016. Thousands marched in central London calling on the British government to do more to help refugees fleeing conflict and persecution. / AFP PHOTO / Daniel LEAL-OLIVAS (Photo credit should read DANIEL LEAL-OLIVAS/AFP via Getty Images)

مجتمع

طرحت الحكومة البريطانية، فكرة إرسال طالبي اللّجوء إلى جزيرة بركانية، في جنوب المحيط الأطلسي، بحسب ما أوردت الصحف البريطانية اليوم الأربعاء.
الصورة

سياسة

اعتقلت السلطات الأمنية التركية، اليوم الأربعاء، 13 مشتبهاً بانتمائهم لتنظيم "داعش" و"هيئة تحرير الشام"، وذلك في عمليات أمنية متزامنة نفذت في وقت مبكر من صباح اليوم في مدينة إسطنبول.