الإذلال سلاح الأسد المتجدّد

19 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
استمراراً منه في العنجهية والاستكبار، يتابع نظام الأسد، بكل مفاصله، ليس فقط جرّ السوريين كالعبيد في الزمان والمكان المناسبين له، بل والتأكيد على إظهارهم بتلك الصورة في كل فرصةٍ تسنح له للقيام بذلك. وعلى الرغم من تكرار تلك الحالات، حتى أصبحت غير قابلة للعدّ أو التوثيق، يبرز بعضها بطريقةٍ صفيقةٍ تقلع عين من يصرّ على عدم رؤيتها.
بدأ، قبل أيام، العرض الجماهيري لفيلم "دم النخيل"، شهادة الزور التي كتبتها ديانا كمال الدين من محافظة السويداء، وأخرجها نجدت أنزور، وجه النظام السوري السينمائي الوسخ، والغني عن التعريف. كان الفيلم قد قُدّم أول مرة منذ نحو شهر في عرض خاص بالإعلاميين والنقاد و"رجال الدولة"، وبحضور بشار الأسد. وتسربت من ذلك العرض آراء ناقدة، لفتت النظر إلى طائفية النص المكتوب، في إلباس الجندي السوري "الدرزي" دور الجبان والخائن، في مقابل جندي "علوي" بطل ومقدام، في سيناريو يزوّر حقائق ما أسموها "معارك تحرير تدمر السورية من داعش". وأثارت شخصية المجند "الدرزي"، الناطقة بلهجة أهل السويداء الواضحة والمبالغ فيها، حفيظة محافظة السويداء التي اعتبرت وجود هذه الشخصية بهذه الصورة انتقاما للنظام من السويداء، ومن "الدروز" تحديدا، لامتناع أبنائهم عن الالتحاق بجيش النظام ورفضهم المشاركة بجرائمه. وأجبر الاستياء الكبير الذي عمّ السويداء، على الرغم من سطحيته ورفضه فقط جزءا مشوّها من فيلم كامل مليء بالكذب والتزوير، الكاتبة والمخرج على إعادة منتجة المقاطع التي ظهر فيها المجند "الدرزي" تماشياً مع سياسة النظام في إبقاء السويداء خارج معادلة المواجهة معه، وضمن لعبة التوازنات التي يقيمها في هذه المحافظة. يبدأ العرض الجماهيري للفيلم قبل أيام مقتطعاً منه ما قد يدفع السويداء باتجاه غير المخطّط لها. ولكن الأمر لم ينته هنا، فكان لا بد، وضمن منهجية النظام ذاتها في التعامل مع كل من يخالفه، أن يؤدَّب الغاضبين بطريقةٍ أو بأخرى، فكان أن ساق محافظ السويداء وأحد ضبّاط الجيش السوري عشرات ممن استطاعوا سوقهم، ليحضروا أحد العروض، ولتتولى كمال الدين مهمة إهانتهم، وإيصال الإهانة رسالة تمرّ عبرهم إلى بقية سكان المحافظة و"مثقفيها".
اعتبرت الكاتبة نفسها، في كلمة مليئة بالأخطاء اللغوية، تسير على نهج فرج فودة ومصطفى 
العقاد في "وطنيتهم" ومحاولاتهم نقل الحقيقة، وتعرّضهم، بالتالي، إلى الهجوم من "أعداء الحقيقة" الجهلة و"أدوات العدو" الجديدة (هم مثقفو السويداء هذه المرّة) الذين يتصيدون كل من يحاول أن يكتب ويوثّق للتاريخ وللأجيال القادمة حقيقة ما يحصل الآن، وهو، في حالة كمال الدين، البطولات الأسطورية للجيش العربي السوري.
تم التركيز على هؤلاء المدعوّين (المساقين) من محافظة السويداء، وعلى الكلام الذي لقّنوه تماماً، كما تم ذلك على الوفد الذي سبق وأن سيق إلى القصر الجمهوري للقاء الأسد، بعد الإفراج عن مخطوفي المحافظة لدى "داعش" (أو لدى النظام في الحقيقة) قبل نحو عام، وتم كذلك التركيز على الإهانات التي وُجّهت إلى الوفدين، ومن خلالهم إلى كل أهل السويداء، من بشار الأسد سابقاً وديانا كمال الدين اليوم.
ليس وفدا السويداء حالةً خاصة، تُمرر من خلالها رسائل التهديد والإهانة، فكل بقعة من سورية تعرّضت وتتعرّض، بشكل أو بآخر، للمواقف نفسها، ففي صورة مشابهة إلى حد كبير، وبتزامن مع إذلال أهل السويداء أخيرا، نشر النظام مقطع فيديو يصوّر فيه نقل مئات من الشبّيحة وقوّات الدفاع الوطني، في المركبات المخصصة لنقل المواشي، باتجاه سد تشرين، للوصول إلى عين العرب ومنبج في ريف حلب، بعد اتفاق مشبوه مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في تأكيد دائم على استكبار النظام على السوريين، كائناً من كانوا، بل وحتى على جنوده والموالين له، وكانت قبلها صورة الشباب المتخلّفين عن الالتحاق بالجيش النظامي، والذين تم اصطيادهم على حواجز النظام وسوقهم إلى قطعات الجيش مكبلي الأيدي، ومجنزرين بالسلاسل في أقدامهم.
الصورة ذاتها والرسالة ذاتها، فمع اختلاف المواقع والأزمنة، إلا أن سياسة الإرغام هي ما يصنع كل هذه الأحداث؛ سياسة الإرغام والترعيب التي يطبّقها النظام في كل مكان وزمان منذ تسع سنوات، في محاولة يائسة لإعادة بناء جدار الخوف الذي حطمته أول مظاهرة انطلقت في 2011، والذي لا يضيّع نظام الأسد أية فرصة قد تعيد ترميمه، لكن من دون جدوى.
قد لا يُلام بعض من يقبلون بالسوْق كالعبيد أو كقطعان غنم تحت التهديد والضغط، فمنهم من أُجبر على ذلك، كما حصل مع سكان مناطق المصالحات أو المناطق التي يُحكم النظام قبضته الأمنية فيها. ولكن المؤسف أن من بين هؤلاء من استمرأ الذل، واتخذه نمطاً للحياة في سورية، ليكون جاهزاً كلما أراد نظام الأسد حشد عبيده في محاولاته المتكرّرة لإظهار هيبته المزعومة، وقوّته الباطشة التي لا يعرف أسلوباً غيرها.