الأردن واتفاقية الغاز

05 فبراير 2020
الصورة
مسيرات في الأردن مناهضة لاتفاق الغاز (خليل مزرعاوي/فرانس برس)
لا تزال قضية صفقة الغاز التي وقعتها شركة الكهرباء الوطنية الأردنية مع تآلفٍ لثلاث شركات، في مقدمتها "نوبل" الأميركية، تتفاعل في الأردن. وبعد إعلان محتوى صفقة القرن في البيت الأبيض في واشنطن في 28 الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني)، ارتفعت في الأردن وتيرة المطالبة للشركة الأردنية بإلغاء اتفاقية الغاز، والتي كانت موضع تساؤل ودراسة من مختصين كثيرين بالطاقة في الأردن، والذين كان معظمهم معارضين لها، لأسبابٍ كثيرة أهمها:

أولا: قطاع الطاقة والكهرباء استراتيجي، لا يجوز الاعتماد فيه على إسرائيل، لأن هذا يضع الأردن في موقف الطرف الأضعف مع إسرائيل التي يصفون حكومتها بالغدر ونقض العهود كما فعلت باتفاقيات السلام التي وقعتها مع الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ثانياً: أمام الأردن بدائل لشراء الغاز من مناطق أخرى، ولا حاجة له أن يركن في ذلك لإسرائيل. وقد اكتسب هذا المنطق حجة إضافية، بسبب أن الأردن ينتج حالياً كميات من الكهرباء تفوق حاجته، وحتى قبل استيراد الغاز الإسرائيلي الذي بُدِئ ضخه مطلع هذا العام، وكذلك فإن مشروع توليد الكهرباء المعتمد على الصخر الزيتي الأردني قد قارب على الانتهاء، وسوف يولّد طاقة كهربائية بمقدار 475 ميغاوات، إضافة إلى مقدار الـ425 التي تُنتَج حالياً ولا تُستهلك. وبمعنى آخر، سيصل الوفر في كمية الكهرباء إلى حوالي 900 ميغاوات. ولذلك يتساءل المواطن الأردني عن مدى حاجته لمزيد من مصادر توليد الكهرباء.

ثالثا: كلفة الغاز الإسرائيلي "المسروق" مرتفعة، وإنه كان بإمكان المفاوض الأردني أن يُخفّض الأسعار أكثر نظراً لحاجة إسرائيل للتصدير.

رابعا: سرقت إسرائيل الغاز بتغطية أميركية، ولذلك فالأردن يدعم هذه السرقة باستيراد الغاز منها، ويوفر لها فرصة تصدير تصل قيمتها إلى ما يزيد على 650 مليون دولار سنوياً، تساعدها في تكريس عدوانها على الفلسطينيين والعرب.

وهنالك أسباب أقل وجاهة، لكنها في معظمها تصب في النقاط الواردة أعلاه.

ولتحليل هذه الأسباب واحداً واحداً، أتقدم بما يلي:
نقص المعلومات المتاحة عن الصفقة، وضعف شرحها للشعب الأردني بشفافية يقويان من المعارضة لها، فالناس تكره ما لا تعرف، فالموقعان على الاتفاقية النهائية، في أواخر حكومة الدكتور هاني الملقي، هما شركة الكهرباء الوطنية وشركة "أوف شور" مسجلة في جزر الكايمن، ولا يُعرف أصحابها، علماً أن مذكرة التفاهم الأولى التي وُقّعَت عام 2014 كانت بين شركتي الكهرباء الوطنية الأردنية ونوبل الأميركية.

ووفقاً لإحصاءات من مجموعة "إدامة" (EDAMA)، وهي مؤسسة غير حكومية تعنى باستخدام الطاقة عموماً والطاقة المتجددة خصوصاً، فإن الكميات المتعاقد عليها من الغاز الطبيعي بين الأردن والمصادر المختلفة هي كما يلي: (mcf - 223) من شركة نوبل، (mcf35) من مصر، (mcf 12) من حقل الريشة في الأردن، و(مائة mcf) من شركتي شل للغاز وشركة FSRU. ويبلغ مجموع هذه الكميات حوالي (372 mcf). ستزود شركة نوبل للغاز منها حوالي 60%.

أما مصادر الطاقة الكهربائية في الأردن خلال عام 2020، فسوف تكون حسب النسب التالية: غاز طبيعي (61%)، طاقة متجددة (21%)، صخر زيتي (15%) ومشتقات نفطية (3%). وهذا يعني أن الغاز القادم من شركة نوبل سيشكل حوالي 36% من مجموع الكهرباء المنتجة في الأردن.

وفي العام 2019، بلغ مجموع الوحدات الكهربائية المباعة في الأردن من شركات التوليد إلى شركات التوزيع حوالي 795ر16 جيجاوات/ ساعة، بلغت قيمتها، مع رسوم فرق سعر النفط، 1.79 مليار دينار، أو حوالي 2.52 مليار دولار أميركي. وهذا يعني أن كلفة الغاز المستورد من شركة نوبل ستبلغ حوالي 700 مليون دولار، أو ما يساوي 27% من هذه الفاتورة.

ولذلك، هنالك بعض المبالغة في الحديث عن اعتماد الأردن على إسرائيل بشكل مطلق، ولكنها نسبة لا يستهان بها، خصوصا إذا توقف الأردن عن شراء الغاز المسال (LNG) من شركتي شل وFSRU، بسبب ارتفاع كلفته للحاجة إلى تغييره، أو (Regasification) قبل ضخه في الأنابيب إلى محطات توليد الكهرباء. والواقع أن البلدين الوحيدين الذي يستطيع الأردن أن يشتري منهما الغاز عبر الأنابيب، أو ما يعني أن الغاز لن يحول إلى سائل، ثم إلى غاز، بل يضخ مباشرة على شكل غاز سوى من مصر ومن إسرائيل، وهو الأقل كلفة.

في نهاية الحديث، الحقائق لا يمكن تغييرها إن كانت صحيحة، ولكن يمكن عرضها بأسلوب متميز. أما الشعب الأردني عامة فهو رافض للصفقة، ولا يريدها. المهم هل ستنعكس أيضاً هذه الصفقة على سياسة طاقة جديدة في الأردن تخفف من عبء الأسعار والضرائب الباهظة التي تتقاضاها شركات الكهرباء من زبائنها والحكومة من المواطنين، وهل ستتحسّن كلف الإنتاج؟ هذا ما يجب أن نراه فوراً.