رغم حظر التظاهر... احتجاجات في فرنسا ضد "العنف البوليسي" بعد مصرع شاب

03 اغسطس 2019
الصورة
معظم الحاضرين انتقدوا ما رأوا فيه "عنفاً بوليسياً" (Getty)
شهدت مدينة نانت الفرنسية، اليوم السبت، تظاهرتين متضامنتين مع عائلة ستيف مايا كانيسو، الذي عُثر عليه غريقاً بعد أكثر من شهر على اختفائه، إثر قيام الشرطة بتدخل "عنيف" ضد شباب رفضوا وقف الموسيقى، في ساعة متأخرة من الليل، في عيد الموسيقى السنوي.

وقد جرت التظاهرة الأولى التي شهدت حضور مئات، في أجواء هادئة، حمل خلالها كثيرون باقات ورد، مع أعلام تحمل شعار السلام، وبورتريهات للفتى الراحل، ولافتات تسأل عن العدالة.

وعلى الرغم من الطابع الحزين والتضامني مع عائلة الشاب، إلا أنّ معظم الحاضرين انتقدوا "العنف البوليسي"، إثر هجوم القوة الأمنية على مجموعة من المحتفلين بعيد الموسيقي السنوي، مستخدمة بشكل كثيف الغازات المسيلة للدموع، على الرغم من أنّ الرئيس إيمانويل ماكرون ووزراءه يرفضون هذا التوصيف.

وما أثار غضب البعض هو أنّ ما حدث لا يمكن مقارنته بتظاهرات اجتماعية كـ"السترات الصفراء"، فالشاب الراحل لم يكن مسيساً، بل كان يحتفل مع آخرين في يوم عيد الموسيقى. وحمّل المحتجون المسؤولية لـ"المفتشية العامة للشرطة الوطنية"، معتبرين نتائج تحقيقاتها المعلنة "هذيانية"، و"لا يمكن أن نرى أملاً مع هؤلاء"، بحسب قولهم.

أما التظاهرة الثانية، وهي غير مصرّح بها، كما الأولى، أيضاً، فشهدت حضور خليط من متعاطفين مع مايا كانيسو الذي عُثر عليه في نهر لاَلْوار، يوم الإثنين الماضي، ومن متظاهرين غاضبين ومنددين بما يطلقون عليه "العنف البوليسي"، ومن نشطاء "السترات الصفراء"، الذين حضروا دون قمصانهم الصفراء احتراماً لعائلة الفقيد، وعشرات من أفراد "بلوك بلاك"، اليسارية المتطرفة، في مدينة نانت المعروفة بأنها من المدن التي ناصرت حركة "السترات الصفراء" ودفعت ثمناً ثقيلاً، بنحو 350 جريحاً.

وعلى الرغم من حظر التظاهر، الذي أعلن عنه مُحافظ الأمن في نانت، في القسم الأكبر منها، خشية على المتاجر والمرافق الحكومية من التخريب، وأيضاً على الرغم من إعلان عائلة الغريق أنّها لا تؤيد التظاهرة وتتبرأ من كل ما قد يشوبها من عنف وتخريب، إلا أنّ أعداداً كبيرة من المتظاهرين، قدرتها مصالح وزارة الداخلية بـ 1700 شخص، تظاهرت في المدينة، فيما سارعت القوى الأمنية إلى إيقاف أكثر من أربعين شخصاً من المتظاهرين، بصفة استباقية، تقول إنها ضبطت معهم أسلحة ومقذوفات.

ومثلما كانت تخشى السلطات الأمنية فقد حدثت صدامات ومناوشات بين المتظاهرين وقوى الأمن، التي لم تتردد في استخدام القنابل المسيلة للدموع، جرح خلالها بعض المتظاهرين ورجل أمن، إصابات طفيفة. كما تعرّضت واجهات بعض المتاجر والمطاعم للتحطيم، كما هو شأن مطعم "ماكدونالز".


"الشرطة تمارس القتل"

ولم يُخف الداعون لهذه التظاهرة انتقاداتهم للشرطة، وهو ما عبرت عنه الشعارات منذ بداية التظاهرة، حيث ردد البعض هتافات: "الجميع يكره رجال الشرطة"، و"الشرطة تمارس القتل" فيما طالبت شعارات ولافتات باستقالة وزير الداخلية كريستوف كاستانيير، وأيضاً رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون.

ولم تَسْلم "المفتشية العامة للشرطة الوطنية"، التي أكد تقريرُها استحالة إرساء علاقة بين تدخّل الشرطة، الذي تم ما بين الرابعة و20 دقيقة صباحاً والرابعة و52 دقيقة صباحاً، وبين غرَق أو اختفاء ستيف مايا كانيسو، بعد الساعة الرابعة صباحاً، من غضب المتظاهرين.

وكانت خلاصات التقرير قد أثارت غضب عائلة الشاب الغريق، وأصحابه وأيضاً غضب بعض السياسيين الفرنسيين، ومنهم رئيس حزب "فرنسا غير الخاضعة" جان لوك ميلانشون الذي استبعد إعلان العدالة لحقيقة ما جرى، وهو ما دفع رئيس الحكومة إدوار فيليب، إلى مساندة صمت وزير الداخلية، عبر مناشدة الجميع انتظار ما سيقوله القضاء، وما تقوله "المفتشية العامة للإدارة"، واعداً بـ"شفافية مطلقة وبوصول العدالة حتى النهاية".

وقد أطلق متظاهرون شعارات ساخرة من "المفتشية العامة للشرطة الوطنية" (أي بوليس البوليس)، واعتبروا أنّ خلاصاتها حول ما جرى في مدينة نانت، في عيد الموسيقى، هي نوع من "شرعنة" قتل الشاب.

تظاهرات في نانت تضامناً مع عائلة ستيف كانيسو (getty) 

وقد شهدت مدن فرنسية أخرى، مثل باريس، تظاهرات متضامنة مع عائلة مايا كانيسو، ومندّدة بـ"العنف البوليسي"، وبعمل "المفتشية العامة للشرطة الوطنية"، التي أنجزت في وقت قياسي تقريرها، في حين أنّ مئات التحقيقات التي فتحتها، ومنذ بدايات حراك "السترات الصفراء"، بخصوص ما تعرّض له متظاهرون من عنف، وبعضهم فقئت عينه أو بترت أطرافه، لا تزال تنتظر النتائج، ولم يتمّ تحميل المسؤولية لأي من أفراد الشرطة.

ويبدو أنّ الحكومة، وخوفاً من أي استثمار حزبي أو سياسي لموت ستيف، عازمة على إبراز الحقيقة، وهو ما كشف عنه وزير الداخلية في تنازل نادر عبر عنه. فكريستوف كاستانيير، المعروف بدعمه اللامشروط لأفراد الشرطة، سمح لنفسه، أمس الجمعة، بالتساؤل حول استخدام الغازات المسيلة للدموع من طرف قوى الأمن ضد شباب محتَفلين وثَمِلين وموجودين على ضفة نهر لْوَار. وهو ما فهم منه بعض المحللين تلميحاً إلى اعترافٍ ما بوجود مسؤولية لدى القوى الأمنية.

ولكن اليسار الفرنسي، وخاصة حركة "فرنسا غير الخاضعة" التي تطالب بلجنة تحقيق برلمانية، حول ما جرى، سيصب النار على الزيت، كما يفعل اليمين المتطرف، ولن يترك هذه الفرصة تفلت من بين يديه، من أجل النيل من الحكومة ومن الرئيس ماكرون.