إنهم يقتلون البلاد، أليس كذلك؟

07 يوليو 2020
الصورة

من قرأ أو شاهد يوماً الفيلم المقتبس من رواية "إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك؟"، سيتعرّف بأفضل ما يكون إلى مفاعيل الأزمة الاقتصادية الهائلة (الكساد الكبير) التي ضربت أميركا وأوروبا (باستثناء الاتحاد السوفييتي) في الثلاثينيات، وبدأت مع انهيار بورصة وول ستريت في ما عُرف بـ"الخميس الأسود" يوم 24 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1929، وما سبّبه من ارتداداتٍ طاولت النظام الرأسمالي العالمي عشرة أعوام، ومن بينها صعود النازية والفاشية ووقوع الحرب العالمية الثانية. الدراسات والبحوث التي تناولت هذي الأزمة العالمية غير المسبوقة لا تُحصى، إلا أن الأعمال الفنّية والأدبية التي تطرّقت إليها هي الأفضل تعبيراً عمّا أصاب البشر من يأس وبؤس وتشرّد وجوع وبطالة وتصدّع علاقات وانهيار أخلاقي وإنساني.

أذكر على سبيل المثال "إنهم يقتلون الجياد، أليس ذلك؟" الذي كنتُ قد شاهدته فيلماً، قبل أن أعود فأقرأه لاحقاً رواية، وهو من الأعمال التي أثّرت بي كثيراً في حينه، والتي كانت تعودني دائماً، وتعودني اليوم بوجه خاص بسبب الأزمة الاقتصادية الرهيبة التي نعيشها حالياً في لبنان، حيث تكثر الانتحارات والسرقات، ويزداد الفقر وترتفع البطالة، مع إقفال الشركات والمؤسسات، وارتفاع الأسعار بشكل جنوني وانهيار سعر الليرة وانتشار اليأس وانسداد الأفق تماماً أمام أي حلّ اقتصادي أو سياسي محتمل. 

وبالحديث عن الفيلم الذي أخرجه سيدني بولاك، وأدّت دور البطولة فيه جين فوندا، إلى جانب مايكل سارازان، فهو يُعتبر من أفضل الأفلام الأميركية وأكثرها شهرة (حائز جوائز عديدة في مهرجانات عديدة وعن عدة فئات)، وذلك على الرغم من إخراجه في عام 1969، أي بعد مرور عقود على الأزمة التي يتناولها، والتي بقيت جرحاً موجعاً ماثلاً في ذاكرة الشعب الأميركي والشعوب الأوروبية. 

وبالعودة إلى الرواية السوداء التي كتبها الكاتب والسيناريست الأميركي هوراس ماكّوي عام 1935 واقتُبس منها الفيلم، هي ستُدهش قارئها أكثر بكثير مما يفعل الفيلم، إذ يختلف البطلان الروائيان عمّا صُوّرا عليه في السيناريو، ليعودا نموذجيْن إنسانيين بسيطيْن يسحقهما الحلمُ الأميركي الكاذب والظالم في آن واحد. غلوريا وروبرت ممثلان عاطلان من العمل، يطمحان إلى أداء دور كومبارس في هوليوود. يلتقيان مصادفةً فيقرران المشاركة في أحد ماراثونات الرقص التي تقام في كاليفورنيا، طمعاً بكسب جائزة الألف دولار، وبلفت انتباه أحد المنتجين المشاركين أعضاءً في لجنة التحكيم، إلى موهبتيهما. القويّ والاستثنائي في الرواية هو ولا ريب شروط المسابقة نفسها التي تمتد على ساعات وأيام، مراهِنةً على سقوط المشاركين إنهاكاً وتعباً، إذ هم لا يُمنحون في كل استراحة، أكثر من عشر دقائق يرتاحون خلالها ويأكلون ويغتسلون، فيما تُمرَّر إعلانات دعائية سخيفة لمنتجات وشركات. والرواية، وإن استندت إلى واقعةٍ حقيقيةٍ راج مثلُها في أنحاء البلاد خلال تلك الفترة السوداء، فهي تحوي شيئاً من تلفزيون الواقع، قبل الأوان، حيث يتحوّل الناس إلى حيواناتٍ متصارعةٍ في الحلبة، ونقداً لاذعاً للمجتمعات الاستهلاكية التي تؤمّل المستهلكَ بالأفضل، فتستغلّه وتمتصّ دمه، وصولاً إلى إنهائه بالمعنيَين، المجازي والفعلي. 

في لحظةٍ ما من المسابقة، وبعد وصول المحنة المذلّة المهينة إلى خواتيمها، يقترح المنظّمون، ومنشّط الحفل الذي يرافق المشاركين بتعليقاته التي يفترض أن تبعث فيهم الحماسة، تجديد العقد للمضيّ في دورة ثانية من الرقص المستمر قد تطول هي أيضاً ساعاتٍ وأياماً، ما يوافق عليه المشاركون غير مخيّرين. في النهاية، تقول غلوريا منهكةً لروبيرت إنها ما عادت تقوى على العيش مزيداً، كما لا تقوى على الموت، متوسّلة إلى شريكها البائس المسكين أن يُنهي هذه اللعبة العبثية، اللاإنسانية الحمقاء، معطية إياه المسدّس الصغير الذي كان في يدها...