إنهاك مهنيّ

28 سبتمبر 2019
الصورة
الحرص على الصحّة النفسيّة في أماكن العمل ضرورة (Getty)

تحت عنوان "ما تضيعو الفرصة" أطلقت وزارة الصحّة العامة في لبنان حملتها الوطنيّة للصحّة النفسيّة في أماكن العمل. وتأتي الحملة من خارج قائمة القضايا المستهلَكة التي تتبنّاها عادة جهات مختلفة بمناسبة أو بأخرى. القضيّة تستحقّ التوقّف عندها، لا سيّما أنّ الصحّة النفسيّة وتعزيزها في أماكن العمل وفي سواها ما زالا من القضايا المهمَلة عن قصد أو عن غير قصد ليس فقط في لبنان إنّما في البلدان العربيّة عموماً وكذلك في بقاع مختلفة من العالم.

بالنسبة إلى المعنيّين بشؤون العمل والعاملين، ومن بينهم جهات نقابيّة في حال توفّرها، فإنّ ثمّة أموراً أكثر أهميّة، لا بل الموضوع غير مطروح في الأساس حتّى يُقارَن بينه وبين سواه. في أماكن العمل، يركّز المعنيّون، من بينهم النقابيّون في حال وُجِدوا، على حقوق العاملين/ الموظّفين الاقتصاديّة والاجتماعيّة. الحقّ في الرعاية الصحيّة يُدرَج من بين تلك الحقوق، غير أنّ الصحّة المتعارَف عليها في هذا السياق هي الصحّة الجسديّة. الصحّة بالنسبة إلى الأكثريّة لا تعني إلّا تلك الجسديّة، لذا تنتفي الحاجة إلى إضافة صفة "النفسيّة" إلى "الصحّة" بهدف تمييزها عن سواها.

الحرص على الصحّة النفسيّة في أماكن العمل وتعزيزها ضرورة قصوى، بحسب منظّمة الصحّة العالميّة، وهي شريكة وزارة الصحّة العامة في حملتها الأخيرة. بدورها توضح الوزارة أنّ "بيئة عمل غير صحيّة نفسيّاً، أي متّسمة بضغوط كثيرة وبممارسات إدارية وتنظيمية ضعيفة، يمكنها أن تزيد من خطر الإصابة بالاضطرابات النفسيّة، لا سيّما الاكتئاب والقلق وكذلك اضطرابات استخدام المواد المسبّبة للإدمان". وتؤكّد أنّ "بيئة عمل غير صحيّة نفسيّاً يمكن أن تزيد من التغيّب والتنقّل الوظيفيّ وأن تسبّب انخفاضاً في مستوى الإنتاجيّة ما يترجَم خسائر اقتصاديّة ضخمة". وتحاول الوزارة توريط أرباب العمل بالحملة من خلال تشديدها على أنّ "مكان العمل الذي يحرص على تعزيز الصحّة النفسيّة وحمايتها، يحقّق تحسّناً كبيراً في الإنتاجيّة وعائداً أكيداً للاستثمار في التدخّلات التي تحسّن الظروف في مكان العمل".




وتبدو الصحّة النفسيّة في أماكن العمل من القضايا التي تولى اهتماماً خاصاً اليوم، لا سيّما أنّ المراجعة الحادية عشرة للدليل التشخيصيّ والإحصائيّ العالميّ للاضطرابات النفسيّة، الصادرة في مايو/ أيار 2019، أقرّت "الإنهاك المهنيّ" المعروف حول العالم باسمه الإنكليزيّBURNOUT كـ"متلازمة ناجمة عن إجهاد مزمن في مكان العمل لم يتكلّل تدبيره بالنجاح".

وتلك "الظاهرة المهنيّة" بحسب القائمين على الدليل، تُتَرجَم كذلك بمصطلحَي "الاحتراق المهنيّ" أو "الاستنفاد المهنيّ". يُذكر أنّ المصطلح الإنكليزيّ كان قد طُرِح للمرّة الأولى في عام 1969، غير أنّ الاعتراف رسميّاً بالمتلازمة ذات الصلة استلزم عشرين عاماً. إلى كم من الوقت تحتاج وزارة الصحّة لإرساء حملتها... وهل الأمر محتمل في الأساس؟