إنفلونزا النقّاد في مصر

إنفلونزا النقّاد في مصر

12 يناير 2017
الصورة

(روبرت دولونوي)

+ الخط -
منذ سنوات، وأنا أتمنى أن أسأل الست أم ترتر، بصفتها عالمة ببواطن الأمور، سؤالاً واحداً: لماذا، يا ست أم ترتر، حينما تكون ندوة في مصر لكاتبٍ موهوب، ولكنه من غير ظهر ولا ظهير ولا سند، لا في الإعلام، ولا في الصحافة، حتى وإن كان مؤدّباً جداً، وخلوقاً جدّاً، ودمثاً جداً، نرى دائماً وقد تغيّب 60 في المائة من النقّاد، بسبب مرورهم بوعكات صحية، أو لأن خال الناقد أو عمّه وافته المنيّة في الأردن، أو لأن كونترول القسم في الكلية طلبه من خلال العميد رسميًّا لرفع درجات الطلّاب، أو لأن أم الناقد شخصياً عملت عملية "المية الزرقة" في مستشفى بنها التخصصي، ونجد أيضاً الولد الذي يعمل في بوفيه النادي، وقد تأخر عن فتح البوفيه؟ وقد يصدمه في اليوم نفسه ميكروباص، ويحوّله إلى مستشفى القصر العيني. وأيضاً يتعطل الميكروفون أو (يزرجن)، وقد يأتي عامل البوفيه متأخراً، بعد أن يأخذ ثلاث غرز في المستشفى، فتظهر فجأة قطة على ترابيزة المناقشة تتثاءب وتمطّ في ظهرها تعبيراً عن الكسل.
دعك الآن من عدد الحضور، فهم ستة أو تسعة، يتثاءب نصفهم والبقية ينظرون لساعاتهم. أما لو كان صاحب الندوة هو الكاتب ضيف الله الورواري، أو بثينة مشتاق، فستجد بالتأكيد سوزان حسونة وسوزان رشوان من نادي الروتاري بالزهور بجوار عشرين بوكيه ورد، وكل الورود مسنودة على عيون عامل البوفيه وخدوده، بعدما حلق ذقنه وتعطّر، ولا أثر في وجهه للثلاث غرزات القديمة، وقد ترى أيضاً بوكيه ورد باسم الراحل أنيس منصور الذي قاد أولى خطوات الكاتب إلى عالم الحرف.
أما النقّاد في ذلك العرس الأدبي الكبير، فقد أتوا جميعاً قبل ميعاد الندوة بنصف ساعة واكتملوا، وكلهم بربطة العنق، الدكتور حمودة حسين على الرغم من مروره بوعكة صحية قبل "الكاسترة الأخيرة"، إلا أنه أصرّ على الحضور في حنطور، نظراً لعراك "التاكسجية" في منطقة المنيرة. والدكتور حسنين عمّار حسانين صميدة حضر بشال حرير وورد وقلم ومحبرتين وورق روز أيضاً للكاتب. والدكتور شهاب السروي شهاب عبد الحق جاء، ومعه تسع نسخ قديمة من كل مؤلفاته، حتى إنه في أول الصفوف في الندوة.
كان هناك من لم يكن لهم باعٌ في الكتابة من قبل، أو حتى الاهتمام بحضور مثل هذه الفعاليات، ولكن الغريب أنك ترى مرة واحدة: فاروق الفيشاوي بجوار فاروق فلوكس بجوار فاروق حسني بجوار فاروق جعفر، ومن ورائهم أيضاً فاروق العقدة. فلماذا، يا أم ترتر، يحدث هذا في بلادنا فقط من دون سائر بلاد الناس. ولماذا دائماً يكون يوم ندوة الكاتب (الغلبان) يوماً مطيراً، والسماء ملبّدة بالغيوم، وقد يسقط لنا أيضاً ثمانية شهداء على رمال سيناء في هذا اليوم، أو تموت فنانة ملء السمع والبصر.
لماذا، يا ست أم ترتر، يتعارك عامل بوفيه نادي الأدب مع أمه في يوم ندوة الكاتب الغلبان، فتضربه فيأخذ تسع غرز في مستشفى إمبابة، ولكنه يأتي يوم ندوة ضيف الله الورواري، ببنطلون جينز وشال حرير، وقد اختفت آثار الغرز في وجهه، واتسعت ابتسامته حتى ملأت نادي الأدب، حتى إنه غازل مطربةً شاميةً كانت جاهزة بالعود على حجرها للغناء، وقيل إنها كانت جاهزة بموشح "يا مال الشام" مع بعض الطقاطيق الحلبية.
كان حتى الشجر بسّاماً والورد المقطوف في البوكيهات كان وكأنه يغمز للحِسان قرب نهاية الندوة، وتهيّأت المطربة الشامية، ضحى عاصي قليني، والتي لا تخرج من غرفة فندق إلا للحفلات الخاصة، وهمّت بالقيام إلى المنصة، إلا أن الناقد الدكتور حسنين عمّار حسنين صميدة أشار لها أن السهرة الفنية ستكون "هناك"، ولوّح بيده للخارج، وهي بالطبع فهمت وجلست.
فلماذا، يا ست أم ترتر، لا تحدث هذه الأشياء إلا في بلادنا فقط؟ قالت أم ترتر في إجابتها: قبل أن أجيبك، هل تعرف "المُحن"؟ نطقتها بضم الميم. قلت لها: لا لم أره. قالت: المُحن لا يُرى، يا عبيط، ولا فائدة في الكلام معك، طالما قد وصلت إلى الستين، وأنت جاهل بأفانينه.