إلى أين تتجه أسواق المال؟

18 أكتوبر 2014
الصورة
متعامل في بورصة نيويورك حاله يغني عن الوصف (Getty)
+ الخط -


الى أين تتجه أسواق المال؟ وماهي الاسباب وراء هذه الازمة؟ وهل أنتهت موجة الذعر لدى المستثمرين؟ ستحاول" العربي الجديد" في هذا الملف الإجابة عن هذه الاسئلة.

رغم التعافي النسبي الذي شهدته أسواق المال والسلع العالمية صباح أمس وهيمنة اللون الاخضر على المؤشرات الرئيسية في لندن ونيويورك وأوروبا، لا يزال شبح حدوث أزمة مالية جديدة يسيطر على الاسواق، كما لا تزال مخاوف المستثمرين من تكبد خسائر دفترية كبيرة في محافظهم تسيطر على التعاملات. وحتى الآن يسود الحذر في الاسواق الرئيسية كما يقول خبراء المال.

إجمالاً يمكن القول إن الضعف الاقتصادي العالمي وراء هذا الاضطراب، ولكن يمكن تحديد 7 أسباب رئيسية وراء قلق المستثمرين الذي يغذي هذا الاضطراب في أسواق الاسهم والسندات والسلع. يقول اقتصاديون في لندن إن العالم ومنذ أزمة المال العالمية وما تلاها من أزمة ديون اليورو فشل في معالجة العوامل الرئيسية التي أدت الى ضعف الاقتصاد العالمي، كما أن دخول الصين بمنتجاتها الرخيصة كقوة تصديرية ضاربة في وقت يعاني فيه المستهلك الغربي من البطالة وقلة الدخل أدى الى هيمنة المنتج الصيني على الاسواق وقاد تدريجياً الى إفلاس العديد من الصناعات الغربية.

ولكن يمكن تحديد سبعة أسباب وراء قلق المستثمرين في أنحاء العالم وهروبهم من الاسواق، وهي:

أولاً: ضعف منطقة اليورو، إذ يقلق المستثمرون في الاسواق، من اعتلال صحة الاقتصاد الالماني الذي يعد الماكينة المحركة للاقتصاد الاوروبي. وتعكس أرقام الانتاج والتجارة المعلنة أخيراً في المانيا حالة هذا الضعف. وتشير الاحصائيات الالمانية الى أن إجمالي الناتج المحلي ربما ينكمش خلال العام الجاري.

وتأثر الاقتصاد الألماني خلال العام الحالي بالحظر الاميركي على روسيا، حيث فقدت العديد من الشركات أسواقها في روسيا، كما تأثر الانتاج الالماني كذلك بالطلب العالمي الضعيف على الصادرات. ومنذ العام 2000، يواصل الاقتصاد الالماني النمو بمعدل ضعيف في حدود1.1% كما أنخفض النصيب الالماني من الصادرات العالمية من 9.1% الى 8.0% خلال العام الماضي.

وشهدت الاستثمارات الرأسمالية كذلك انخفاضاً كبيراً، حيث انخفض معدلها من 22.3% كنسبة من الدخل العام الى 17% بنهاية العام الماضي. وغني عن القول إن معظم دول اليورو الاخرى لم تخرج من أزمة الديون التي ضربتها في العام 2011.

أما العامل الثاني، فهو وباء إيبولا: وباء إيبولا مأساة إنسانية مؤلمة، حيث إنه يهدد اليشرية جمعاء، ولكن آثاره أنسحبت على الاقتصاد العالمي وباتت تهدد صناعة السفر بأكملها. وهذا ربما ينعكس قريباً في إفلاس بعض شركات السفر والسياحة وصناعة الطيران وأسعار الوقود. ويلاحظ أن المستثمرين في أسواق العالم الغربي يهربون منذ أسابيع من أسهم شركات السفر والسياحة، كما يهربون من شركات النفط.

والعامل الثالث، النفط:تواصل أسعار النفط تدهورها السريع خلال الشهور الاخيرة، لتنحدر من أكثر من 100 دولار في الشهر الماضي الى قرابة 84 دولاراً في تعاملات يوم الخميس. ويحدث هذا الانخفاض بسبب زيادة المعروض النفطي في كل من روسيا وأميركا وسط انخفاض الطلب في الدول المستهلكة الرئيسية.

ورغم أن انخفاض أسعار النفط يجب أن يكون أخباراً سارة بالنسبة للاقتصاد العالمي، وبخاصة الدول الصناعية والمجتمعات الغربية، حيث يضيف وفورات مالية في فاتورة مشتريات النفط تقدر بحوالى 1.1 ترليون دولار سنوياً، حسب تقديرات مصرف"سيتي جروب"، الا أن هذا الانخفاض يؤثر على ميزانيات دول الخليج العربية، التي تستثمر بكثافة في بريطانيا وباقي الدول الاوروبية.

وبالتالي، فإن انخفاض أسعار النفط سيعني انكماشاً في الاستثمارات العربية في الاسواق الاوروبية. أما العامل السلبي الآخر لانخفاض أسعار النفط، فهو انخفاض أسعار أسهم الشركات النفطية وشركات الخدمات الهندسية المصاحبة للصناعة النفطية.

العامل الرابع: ينتاب المستثمرون القلق من التوجه الاميركي للإنهاء التدريجي لسياسة "التحفيز الكمي"، فالشركات والمصارف الاستثمارية تعودت على عمليات الانقاذ الحكومية، عبر ضخ الدولارات شبه المجانية في الاسواق الاميركية. ويضاف الى هذا العامل، احتمالات رفع الفائدة في كل من أميركا وبريطانيا.

فالمستثمرون تعودوا ومنذ أزمة المال على الحصول على أموال رخيصة، وبالتالي فإن قطع شهيتهم لهذه الدولارات بات أمراً مقلقاً، خاصة لكبار المصارف الاستثمارية. ومن المتوقع أن يضخ "المركزي الاوروبي" حوالى ترليون دولار في الاسواق خلال الشهور المقبلة وعام 2015.

العامل الخامس: التباطؤ الشديد الذي لا يضرب أسواق اليورو فحسب وإنما باقي الاقتصادات العالمية. فهنالك قلق وسط المستثمرين من تباطؤ الاقتصاد الصيني الذي يعول عليه منذ أزمة المال في تحريك الاقتصاد العالمي. ويلاحظ أن الاقتصاد الصيني نما بمعدل 7.0% في الربع الثالث، وهو معدل أقل من المتوقع. كما أن هنالك أزمة ديون عقارية تتراكم في الصين ربما تنفجر في أية لحظة.

العامل السادس: هنالك قلق من مستقبل بقاء الاتحاد الاوروبي ككتلة سياسية اقتصادية واحدة وسط الخلاف بين دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة.

ويلاحظ أن الانتخابات البرلمانية الاخيرة في أوروبا، أظهرت مدى قوة الجماعات السياسية المعارضة لمشروع الوحدة الاوروبية. ومنذ الاستفتاء على مستقبل أسكتلندا، بات المستثمرون يتخوفون من بقاء الكتل السياسية المتحدة.

العامل السابع: يقلق المستثمرون من تطور الاضطرابات المتواصلة والحروب الأهلية المنتشرة في منطقة الشرق الاوسط لتصل الى ذروة تسيطر فيها الجماعات المتطرفة مثل " داعش" وأشباهها على حقول إنتاج النفط الرئيسية في المنطقة أو السيطرة على خطوط الامداد وموانئ التصدير الرئيسية في العالم. ومعروف أن منطقة الشرق الاوسط تمد العالم بحوالى 40% من النفط.
هذه الاسباب تعد من أهم العوامل التي تزرع الرعب في أوصال المستثمرين وتدفعهم للهروب من أسواق الاسهم والسندات وبعض السلع للبحث عن ملاذات آمنة لأموالهم.

أزمة المال العالمية: تداعيات وأخطاء

ربما تكون الحكومات الغربية قد نجحت في إنقاذ البنوك الكبرى والنظام المالي العالمي من الانهيار إبان أزمة المال العالمية، ولكنها بالتأكيد لم تفلح في إنقاذ الاقتصاد العالمي من الافلاس. وظل الضعف الشديد كامناً في الاقتصاد العالمي طوال الست سنوات الاخيرة، يظهر تارة في أزمة الديون التي ضربت منطقة اليورو في العام 2011، وتارة في الاضطرابات المتكررة التي تضرب أسواق الصرف العالمية وأخرى في أسواق الاسهم والسلع.

وحسب قول اقتصاديين، فإن أزمة الاسواق التي يعيشها العالم اليوم وكادت تعصف بالاقتصاد العالمي ولا تزال تتفاعل ليست استثناء. فالمعالجات التي أجرتها البنوك المركزية لأزمة المال ومنذ العام 2007 ، أضافت جرثومة جديدة الى أمراض الاقتصاد العالمي.

حيث أقتصرت هذه المعالجات على ضخ تريليونات الدولارات في محافظ البنوك الاستثمارية الكبرى، مثل "جي بي مورجان" و"سيتي جروب" و"لويدز بانك" و"سوسيته جنرال"، ولكنها لم تضخ هذه الاموال في قطاعات الانتاج والبنى الاساسية التي تخلق فرص العمل الحقيقية.
وكانت النتيجة أن أخذت هذه البنوك هذه الدولارات المجانية لتتاجر بها في أسوق السلع العالمية وتضارب بها في أسواق الصرف مستفيدة في ذلك من فارق سعر الفائدة بين أميركا ودول الاقتصادات الناشئة في آسيا وأميركا الجنوبية.

وبذلك أنتهت الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا الى محصلة مفادها أن البنوك أثرت بسرعة ، ولكنها لم تخلق فرص عمل ووظائف في بلدانها.

وضخت البنوك المركزية العالمية أكثر من 10 تريليونات الدولار بشكل مباشر في البنوك الاستثمارية، وبدلاً من خلق فرص وظيفية في الاسواق الاميركية والاوروبية، ذهبت هذه الاموال للمضاربة في السلع وأدوات المال الاخرى لتحقق البنوك أرباحاً هائلة وفي فترة وجيزة بعد أزمة المال.

وثانياُ: فإن سياسات التحفيز الكمي التي نفذها بنك الاحتياط الفدرالي الاميركي والبنوك المركزية الغربية خلال السنوات الست الاخيرة، هي عبارة عن ضخ لأوراق نقدية مطبوعة وليست أموالاً، تم الحصول عليها من خلال الوسائل الانتاجية.

ويلاحظ أن أموال" التحفيز الكمي" أضافت الى الاضطرابات في الاسواق. وتدريجياً تحول الدولار الى أكبر سلعة تصدرها أميركا، في أعقاب هزات أسواق الصرف المتكررة.

هكذا يقول ستيغلتز:

يقول البروفسور جوزيف ستيغلتز أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا الاميركية والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، الحكومات الغربية لم تتعلم من أزمة المال وفشلت في خلق فرص وظيفية حقيقية تساهم في ردم الفجوة بين الفقراء والاثرياء.

ولاحظ ستيغلتز الذي كان كبير مستشاري البنك الدولي، أن مستويات الدخول في أميركا تراجعت بمعدلات كبيرة، لتنخفض الى مستوياتها في العام 1989، وكادت الطبقة الوسطى تختفي من السلم الاجتماعي الاميركي خلال السنوات الاخيرة.

كما يحدث حالياً في البلدان العربية. وقد أضطر الرئيس الاميركي باراك أوباما، وبعد عامين من أزمة المال، لإنشاء وزارة خاصة لخلق الوظائف في الشركات الصغيرة والمتوسطة.في أعقاباإرتفاع البطالة ورفض البنوك الاميركية إقراض الاعمال التجارية الصغيرة.

ويلاحظ أن تمويل الانفاق في الاقتصادات الرأسمالية يعتمد على دافع الضرائب، كما أن نظام دولة الرفاه المتبع في الدول الغربية يدفع معاشات للعاطلين عن العمل.

وبالتالي، فإن خلق الوظائف يعد العمود الفقري في الاقتصادات الغربية، لأن هذه الوظائف هي التي تمول الانفاق بالنسبة للحكومات.

من هذا المنطلق يمكن معرفة لماذا أرتفعت المديونيات الغربية ولماذا يتواصل العجز في الميزانيات، حيث بلغت الديون أكثر من 17 تريليوناً في أميركا ومقتربة من حاجز 100% في عدد من الدول الصناعية.

فالسبب الرئيسي وراء ارتفاع الميزانيات يعود الى أن الحكومات لا تنفق على خلق وظائف وبناء طبقة وسط قادرة على دفع الضرائب والمساهمة
بشكل فاعل في تمويل الميزانيات.

المساهمون