إعلام ضد إعلام

17 ديسمبر 2019
الصورة
مشاهد بعض المحطات التلفزيونية اللبنانية في تغطيتها الحراك الشعبي ضد الفساد يظن أنه يشاهد محطة في شبكة الدعاية السيسوية في مصر. لم يعد استخدام الإعلام للتضليل أمرا مفاجئا ولا جديدا في العالم العربي المتحول في ثورات متواترة.
تشبه الثورة اللبنانية مثيلاتها في العالم العربي، ولا تشبهها في أنها فريدة بألوانها، دينامياتها وتحدّياتها، إلا أن قاسما مشتركا هو استشراس الأبواق الإعلامية في شيطنة الثوار، مستعينة باللغة نفسها والأبواق نفسها. باتت مملة الاتهامات المسعورة بالولاء للأجندات. اتهامات العمل بتمويل من السفارة الأميركية نغمة باهتة لكثرة استخدامها في كل حراك شعبي هادف للتغيير. لا شيء جديدا أو خلاقا في حملات الشيطنة، ولو أن الرد عليها جاء خلاقا في سخريته عبر حملة "المنقوشة" المموّلة من السفارة. يذكر الشريط الذي روجه "إعلامي" عن ناشطين في الحراك، مستهدفا بشكل خاص الناشطة نضال أيوب، بالبرنامج التشهيري سيئ الذكر لـ"إعلاميا" آخر في مصر كان يفتح كل أسبوع صندوقه الأسود على مكالماتٍ خاصة يقول إنه حصل عليها، وإنها تثبت تورّط أصحابها وجلهم من الناشطين في ثورة يناير، في علاقات مشبوهة ضد بلدانهم مع جهاتٍ خارجية. فاقت الحملة ضد الإعلامية ديما صادق ما سجل حتى الآن من حملاتٍ مسعورةٍ ضد إعلاميات خرجن إلى ساحات التظاهر، إلى حد التهديد بالقتل. حملات التشويه المعنوي التي تطاولها يوميا تمثل أحد فصول التعبيرات عن ذكورية عنيفة أخذت أشكالا مختلفة عابرة للحراك الشعبي في العالم العربي. قد يكون فصل "ست البنات" 
التي نزعت ملابسها في إحدى تظاهرات القاهرة، واتهمت لاحقا بالعهر أبرز فصول هذا الكراهية الذكورية المدعومة بكراهية بعض النساء لبنات جنسهن.
يختلف المشهد اللبناني عما سبقه أو جايله، فلا الصورة بيضاء ولا هي سوداء، على الرغم من قرب الانهيار الذي بات حقيقة كل يوم. الثورة والثورة المضادة تحصلان في زمن واحد. النخب القديمة عادت إلى شاشات التلفزة لتقوم بالدور المرسوم لها من التخويف من عدم الاستقرار (الذي لا ينعم به اللبنانيون في كل حال) إلى تذكيرهم بضرورة العودة إلى بيت الطاعة في احترام "المقامات" التي أودت بهم إلى الكارثة إلى الشيطنة والشتائم والتهديدات بأصنافها. أن يخرج أستاذ جامعي ليكيل الشتائم الذكورية السوقية في حق طالباته، مندفعا بحبّه رئيس الجمهورية كما برّر، أو أن يغرّد أستاذ جامعي ووزير سابق داعيا إلى قمع المتظاهرين، وأن تقول إعلامية أن موقع رئاسة الجمهورية خطٌّ أحمر، وهي التي يفترض أن تكون مهمتها تحدّي الخطوط الحمر، أو أن يصف مدير أخبار محطة تلفزيونية تدّعي المهنية المتظاهرين بقلة الأدب وعرقلة السير، فضلا عن انكفاء رواد المطاعم في بلد بات فيه الناس يشحذون معاشاتهم من المصارف.
نخب قديمة في وجه الشارع ونخبه الجديدة: سياسيون، مثقفون وإعلاميون متنفعون مقابل ناشطين ومثقفين وأكاديميين وحقوقيين ومجتمع مدني، ومجموعة قليلة وإن فاعلة من الإعلاميين في دعم الحراك وتغطية تحدّياته بشكل إيجابي. هل الإعلام اللبناني صديق الثورة أم عدوها؟ المشهد ليس أحاديا ولا قاتما: بخلاف ما هو عليه في موجات التغيير في العالم العربي. الثورة مقابل الثورة المضادة على شاشات التلفزة كما على الأرض. لعل الحراك الجاري من فوائده الكثيرة أن تصبح نخب الإعلام المتسلقة على علاقات "الصداقة" مع الساسة نموذجا من الماضي لا يشبه الثقافة الجديدة التي تحملها الثورة. تبدو الوجوه التي كانت منذ وقت قريب تمثل "نجوم" الإعلام باهتة، وكأنها تنتمي إلى عهد مضى، لم تعد نجومه تلمع من الالتصاق بالسياسيين والتنفع من "صداقاتهم".
الحرب الأهلية التي يهدّدون بها، ويحرضون عليها يوميا لن تحصل. حرب أخرى دائرة وضرورية. حرب بين إعلام وإعلام. بين منطق إعلامي في تأطير الحدث الجديد ورواية أخرى. حرب بين ثقافة الاستزلام للسياسة التي نخرت عظام الإعلام وحوّلته مطية للدعاية وثقافة التعبير عن هموم الناس والاصطفاف معهم. انقسام مجتمعي جديد ولد انقساما إعلاميا جديدا. تحية للإعلاميين والصحافيين الذين استقالوا من أعمالهم، علما أن فرص العمل ضيقة، أو تكاد تكون معدومة، وعلما أنهم ووسائلهم كانوا مؤيدين لانتهاكات إنسانية بشعة، منها الحرب 
ضد الشعب السوري في دعم طاغية دموي.
ولدت الثورة لغة إعلامية جديدة، روادها صحافيون، بعضهم عتيد وبعض آخر جديد. جريدة 17 تشرين، لسان حال الحراك، ولدت في حين فقد مئات من الصحافيين أعمالهم أو باتوا يتقاضون نصف راتب أو يعملون من دون أي راتب. باتت مواقع إخبارية معروفة لسان الحراك، ومنها درج والمدن وغيرهما، كما مراسلو محطات تلفزيونية، باتوا خط الدفاع عن المتظاهرين والناقلين نشاطهم ليل نهار من دون كلل.
لم يتغير شيء في البنى المهترئة للإعلام اللبناني، إنما ثقافة جديدة انبعثت من داخل هذه البنى باتت تهدّدها بثقافة جديدة، ترفض الاتزلام والتبعية السياسية والارتهان والتنفع باعتبارها من أدوات المهنة.