إشارات متناقضة لواشنطن تجاه انفجار بيروت

08 اغسطس 2020
الصورة
تترك التصريحات الأميركية المختلفة الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات متناقضة (Getty)

ما زالت واشنطن تتعامل مع تفجير بيروت وكأنه لغز، تقول ما يفيد بأنها بحاجة إلى المزيد من المعلومات، وتنتظر تحقيقات الجهات المعنية اللبنانية. لكنها في الوقت ذاته تواصل إعطاء إشارات متناقضة وملتبسة تبدو وكأنها متعمدة ومقصودة؛ إذ ليس من المعتاد أن يتوالى التباين بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع في تقييم حادثة بهذه الخطورة، بعد مرور ثلاثة أيام على وقوعها. إذا كانت العملية فعلاً ما زالت مبهمة فعلى الأقل كان من المفترض أن يتوحّد الخطاب بشأنها، وبالتالي أن تصب تصريحات المسؤولين في المجرى ذاته، غير أن ما حصل كان بعكس ذلك.

فيوم الخميس، وفي كلمة له في منتدى إسبن للأمن القومي والسياسة الخارجية؛ قال وزير الدفاع مارك إسبر إن التفجير "يبدو وكأنه حادث (بالخطأ) حسب ما يعتقد معظم الناس". وأضاف: "إننا ما زلنا نجمع المعلومات"، ترك القصة معلّقة بين الاحتمالين. سبقه في الصباح قبل كلمته، كلام منسوب لمصدر عسكري جاء فيه أنه "لم يحصل تغيير على تقييمنا، بأن العملية كانت حادثة وليست هجوماً". تقدير جازم خلافاً لتقييم الوزير إسبر، باستبعاد الهجوم. وتبع ذلك امتناع المتحدث الرسمي في البنتاغون عن الإجابة على سؤال "عما إذا كان قد توفر أي دليل على وقوع هجوم"، واكتفى بالقول إن واشنطن "ستعمل مع المسؤولين اللبنانيين.. ولست هنا للتحدث عن أية حصيلة توصلت إليها الحكومة أو الاستخبارات الأميركية". وللمرة الثانية يُترك الباب مفتوحاً أمام هذا السيناريو وذاك.

تواصل واشنطن إعطاء إشارات متناقضة تبدو وكأنها مقصودة حول طبيعة انفجار بيروت، هل كان حادثاً أم متعمداً؟

أما الرئيس ترامب فكان قد رجّح يوم الثلاثاء نظرية "الهجوم" أو وقوع التفجير بفعل "قنبلة ما"، ناسباً تعليله إلى عدد من الجنرالات. ثم كرر في اليوم التالي تمسكه بنظريته هذه التي عاد وأكّدها مارك مادوز، مدير عام البيت الأبيض والرجل المقرب جداً من الرئيس والأقرب إليه بحكم موقعه، وقال إن إسبر "لم يكن يمتلك المعلومات الصحيحة"، وإن الإدارة "لا تستبعد الهجوم". والمعلوم أن إسبر لم يتبنّ تفسير الرئيس، وأن البنتاغون سارع إلى رفضه ضمناً. الأمر الذي أثار تساؤلات حول الفجوة بين القراءتين. وكان من اللافت أن يشير الجمعة الرئيس اللبناني ميشال عون إلى احتمال الهجوم، لكنه لم يوضح ما إذا كان قد استند في ذلك إلى تقدير الرئيس ترامب أم إلى معطيات ميدانية جديدة.

في الوقت ذاته، وكما هي العادة، تم سؤال أكاديميين وخبراء في الكيمياء والمتفجرات للتعريف بمادة الأمونيوم، وكيفية انفجارها وتحوّلها إلى قوة مدمرة، والظروف والشروط التي يتطلّبها تحقيق ذلك. وأشار هؤلاء إلى أحداث مماثلة جرت في أكثر من مكان، كان أبرزها التفجير الذي حصل في ألمانيا قبل مائة سنة عام 1921، والذي أدى إلى سقوط 400 قتيل. وثمة انفجار آخر حصل في ولاية تكساس سنة 1947، وأودى بحياة 600 شخص. ومن الشروحات التي تمّ تقديمها أن هذه المادة تتحول إلى قوة تفجير هائلة "لو جرى احتكاكها بمصدر سخونة شديدة أو بشرارة مكثفة أو بصاعق لنيران حادة، وإذا كان الأمونيوم مكدساً بكميات كبيرة في مكان محبوس". الخلاصة أن الأمونيوم "يحتاج إلى مشعِّل كثيف النيران". فهل القوة النارية التي يتطلبها الأمر لإحداث هذا التفجير تنطبق على وصف "بقنبلة ما" الذي قاله الرئيس ترامب؟ قنبلة مزروعة وليست صاروخاً؟

لا تجزم التقديرات العلمية بذلك، لجهل ملابسات العملية. خاصة وأن مثل هذا الانفجار يمكن أن يقع "إذا جرى خزن هذه المادة في أماكن غير صالحة تفتقر إلى صمامات أمان ومجاورة لمخزونات أخرى قابلة للانفجار"، حسب الشروحات العلمية. وهي مواصفات تنطبق كما تردد على حال المخزون الذي تحول إلى فاجعة لبنانية. لكن لبنان ساحة سياسية ساخنة. ولحين ظهور تفسير حاسم يبرر إدراج الانفجار تحت خانة الحادثة الناجمة عن الإهمال؛ فإنه سيبقى في دائرة الشك بوقوعه نتيجةً للاحتكاك بصورة أو بأخرى، بشرارة النار السياسية المحتدمة في لبنان.