انفجار بيروت: تضارب الردود الأميركية زاد الشكوك حوله

05 اغسطس 2020
الصورة
بيروت مازالت تحت الصدمة (حسين بيضون)

الانفجار المدمِّر الذي هزّ بيروت أمس الثلاثاء، أثار ردود فعل عارمة في واشنطن، وتصدرت سيرته العناوين والاهتمامات، بحكم قوته وخسائره وملابساته. ومع أن التحفظ كان إجمالاً سمة الردود الأولية التي بقيت حتى وقت متأخر من الليل في حدود التفسير الرسمي اللبناني للحادثة، إلا أن تعليق الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي جاء بصيغة تحمل على الاعتقاد بأن العملية مدبّرة، فتح باب الأسئلة المعهودة في مثل هذه الحالة لجهة: مَن الجهة التي تقف وراءه؟ وكيف؟ ولماذا الآن؟ ومَن المستفيد؟ خاصة أن ترامب لم يتراجع عن توصيفه بالرغم من نفي وزارة الدفاع (البنتاغون) لصحة كلامه.
الاعتقاد السائد حتى اللحظة يأخذ بالتصريح الرسمي اللبناني بأن الانفجار حصل بفعل حريق في مستودع كانت في داخله كمية هائلة من نيترات الأمونيوم، ذات القوة التفجيرية الهائلة. وحسب الخبراء، فهي المادة نفسها التي استخدمها الإرهابي الأبيض تيموثي ماكفاي، لتفجير المبنى الحكومي في ولاية أوكلاهوما سنة 1995 والتي أودت بحياة 168 شخصاً. وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، عرض المساعدة للشعب اللبناني، مع الإشارة إلى "متابعة وزارته" للحادثة، بانتظار "التحقيقات" اللبنانية. بدا وكأنه أخذ حتى الآن بما صدر عن مدير الأمن العام اللبناني، اللواء عباس إبراهيم، إذ لم يأتِ ولو بالتلميح، إلى احتمال أن تكون العملية أكثر من خطأ فادح.

هل أباح الرئيس عبر زلة لسان، بشيء عرف به عن الحادثة يختلف عن رواية الخطأ والإهمال؟

لكن ترامب خلال مؤتمره الصحافي أدلى بالنقيض، بعدما قال إن "جنرالاتنا (الذين صودف أن التقى بعدد منهم أمس بعد الحادثة) يشعرون على ما يبدو بأن ما حصل كان نتيجة هجوم وليس عملية انفجار". وأضاف أنهم "قالوا" له ذلك عن "الهجوم الفظيع". لكن البنتاغون، لاستدراك على ما بدا من هؤلاء الجنرالات، سارع إلى التبرؤ مما نسبه الرئيس إلى العسكريين. وجاء في بيان عنه: "لا ندري عن ماذا يتحدث الرئيس"، ليضيف: "لو كان ما جرى عملية هجومية، لسارعنا على الفور إلى تعزيز قواتنا في المنطقة". بعد هذا النفي لم يصدر أي رد عن البيت الأبيض.
التضارب بين الرئيس والمصدر الذي قال إنه استقى معلوماتها منه، زاد من البلبلة والشكوك، وطرح أكثر من احتمال وتساؤل. هل أباح الرئيس عبر زلة لسان، بشيء عرف به عن الحادثة يختلف عن رواية الخطأ والإهمال؟ أم أنه أراد بتعليقه اختلاق سيناريو الهجوم لإرباك الوضع أكثر مما هو عليه؟ ثم هل حاول البنتاغون بنفيه السريع استدراك الأمر للحفاظ على سرية المعلومات في حال وجودها، ولو تطلب ذلك تكذيب الرئيس؟ أم أنه سارع إلى التصحيح اللازم لوضع الأمور في نصابها حفاظاً على الصورة والسمعة؟

التقارير والروايات الأولية المنسوبة إلى مصادر العاصمة اللبنانية، برغم ميلها إلى ترجيح احتمال الإهمال الحكومي، لم تقنع البعض بالكفّ عن البحث عن مبررات التشكيك في بعض اللاعبين الأساسيين في الساحة اللبنانية، ومن بينهم إسرائيل، حيث جرى الربط بين "تفجيرات حصلت أخيراً في إيران"، وتفجير بيروت، وقد " شوهدت طائرات إسرائيلية مسيّرة فوق بيروت وبصورة دورية خلال الأسابيع الأخيرة".

مصادر أخرى أشارت إلى "الظن بحزب الله"، وذلك في سياق التذكير بأن المحكمة الدولية ستلفظ حكمها بعد غد الجمعة في قضية مقتل الرئيس اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، والمتوقع أن يكشف عن إدانة لعناصر من "حزب الله" لتورطها في عملية الاغتيال. تعليل ذلك أن التفجير من شأنه أن يطمس قضية الحكم. لكن هذا وغيره من القراءات التي توالت حتى الآن، لا يخرج عن مدار التكهنات والتخمينات المبنية على أي شيء إلا القرائن والأدلة. وتبقى الحقيقة مرهونة بالتحقيق الذي لا بوصلة مأمونة له في لبنان هذا الزمان.