أوروبا... موسم محاصرة اللاجئين المهاجرين

أوروبا... موسم محاصرة اللاجئين المهاجرين

15 سبتمبر 2015
الصورة
فرضت اليونان إجراءات أمنية مشدّدة (فرانس برس)
+ الخط -
توحي التطورات والمواقف الأوروبية الأخيرة، المتعلقة بقضية اللاجئين المهاجرين إلى القارة العجوز، بأجواء محاصرة شديدة للاجئين تحت شعارات وتبريرات عدة، منها أن "الحرب الحقيقية هي ضد المهرّبين"، أو أنّ "القارة العجوز غير قادرة على مواجهة الموجة الهائلة دفعة واحدة وبهذه السرعة"، بالإضافة إلى أنّ "الأمن الداخلي في الدول المضيفة، غير جاهز على تحمل العبء وحده"، لتتم الاستعانة بقوات الجيش.

وصدرت، أمس الإثنين، قرارات أوروبية، تكشف حجم الاستنفار في التعاطي مع ملف اللاجئين المهاجرين، حتى في الدول التي بدا وكأنها فعلاً تتّبع سياسة إنسانية تجاه الفارين من الجحيم في بلادهم، بدءاً من قرار الاتحاد الأوروبي استخدام القوة العسكرية ضد مهربي المهاجرين في إطار عمليته البحرية في البحر المتوسط، واستعانة النمسا بالجيش لمواجهة تدفق المهاجرين، مروراً بحالة الاستنفار التي أعلنتها ألمانيا ووقفها العمل باتفاقية "شنغن" لحرية التنقل مع النمسا، يوم الأحد، فضلاً عن مشاهد العنف التي توثّق تعاطي الشرطة الفرنسية مع المهاجرين اللاجئين، وصولاً إلى استحداث بريطانيا منصباً حكومياً خاصاً بشؤون اللاجئين السوريين.

وأعلن وزير الداخلية في مقاطعة بافاريا، يواكيم هيرمان، أكبر معبر لدخول المهاجرين إلى ألمانيا، أنّ عمليات المراقبة على الحدود التي أعادت ألمانيا فرضها، "لاحتواء تدفق اللاجئين، ستستمر أسابيع على الأقل". ثم أعلن مكتب المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أمس الإثنين، أنّ "إعادة عمليات المراقبة لا تعني أن ألمانيا تغلق حدودها أمام طالبي اللجوء، بل كل ما في الأمر، أنّنا نرغب في جعل العملية أكثر انضباطاً".

وأجاز قرار الاتحاد الأوروبي حيال المهربين، أخيراً، للسفن الحربية الأوروبية اعتراض وتفتيش ومصادرة المراكب التي يشتبه في أنّ المهربين يستخدمونها، ويبدأ العمل في هذا القرار، مطلع أكتوبر/تشرين الأول. كما يمكن للسفن أن تقوم بعمليات اعتقال، شرط ألا تدخل المياه الإقليمية الليبية، في إطار المرحلة الثانية من عملية "ناف فور ميد" (بحرية من أجل البحر المتوسط)، التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في نهاية يونيو/حزيران الماضي.

وبعد ألمانيا، قرّرت سلوفاكيا والنمسا بدورهما، أمس الإثنين، إعادة فرض رقابة على الحدود، لمواجهة تدفق عشرات آلاف المهاجرين، وعلّقتا، بحكم الأمر الواقع، العمل باتفاقية "شنغن"، لحرية التنقل في أوروبا. وسارعت دول في أوروبا الشرقية، سلوفاكيا وجمهورية التشيك، التي لا تزال ترفض فكرة ألمانيا التي تقضي بتوزيع اللاجئين بين الدول الأعضاء الـ28، إلى اتخاذ إجراءات مماثلة، لتلك التي فرضتها ألمانيا، أخيراً.

كذلك فعلت النمسا، التي قررت، أخيراً، نشر الجيش على الحدود مع المجر. وأعلن المستشار النمساوي، فيرنر فايمان، أنّ بلاده ستستدعي الجيش فوراً لمساندة الشرطة في مواجهة تدفق المهاجرين الذين يصل معظمهم عبر المجر. كما أوقفت الشرطة حركة السير على الطريق السريع، "لأسباب أمنية"، وتعيد بعض المصادر السبب إلى إعاقة مرور المزيد من اللاجئين. وبدورها، حذّرت "المفوضية العليا للاجئين"، من "فراغ قانوني"، يمكن أن يواجهه اللاجئون في أوروبا، مع تكثيف الإجراءات التي تتخذها الدول كلّ على حدة.

وتنقسم أوروبا الشعبية والرسمية حول قضية اللاجئين. فبينما تشهد مدن أوروبية غربية، مثل لندن وكوبنهاغن، مسيرات مؤيدة لاستقبال اللاجئين، تطوف التظاهرات الرافضة للاجئين، مدناً في بولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا وغيرها من مدن أوروبا الشرقية. أما على المستوى الرسمي، فيبدو الانقسام جلياً في مواقف الحكومات الأوروبية، ويتراوح التباين بين من يدعو إلى إجراءات وقائية لضرب عصابات تهريب اللاجئين في مواطنها، وبين من بادر إلى نشر الجيش أو بناء الجدران على الحدود لمنع تدفق طوابير اللاجئين، وبينهما، الرافض بصرامة، استقبال أي من اللاجئين، في مقابل مَن يعبّر عن استعداده لاستقبال أعداد منهم.

اقرأ أيضاً: "العفو الدولية" تدعو الاتحاد الأوروبي لمراجعة نظام اللجوء

وفي خضم هذا التباين في المواقف والإجراءات، اعتبر وزير الخارجية الألماني، فرانك شتاينماير، أن أزمة اللجوء قد تكون أكبر تحدٍّ لدول الاتحاد الأوروبي في تاريخه، قائلاً إنّه "على الرغم من الاستعداد الشعبي للمساعدة وتقديم العون، فإن إمكانياتنا بدأت تتناقص، ولا يمكن لأية دولة بمفردها أن تنجح في هذا التحدي، بل سيتوقف الأمر على التضامن الأوروبي".

ولا تبدو دول أوروبا الشرقية والوسطى مثل المجر، التي تبني الجدران في وجه المهاجرين، وسلوفاكيا التي ترفض، بعنصرية، استقبال لاجئين من غير المسيحيين، مستعدة للتضامن الذي دعا إليه شتاينماير، وتصرّ على معارضة المقترح الأوروبي الغربي بتقاسم المسؤولية، استجابة لضغوط الحركات اليمينية المتطرفة والقومية، بالإضافة إلى التذرع بأسباب اقتصادية. وتزعم الحملات اليمينية المتطرفة بأن المهاجرين سيغيرون الطبيعة الثقافية لأوروبا وسيعملون على أسلمتها والإضرار بأنظمتها العلمانية، إضافة الى إضرارهم بالاقتصاد وتسببهم بزيادة البطالة في صفوف المواطنين.


كما تثير التنظيمات اليمينية المخاوف من إمكانية تسرب عناصر متطرفة من الجماعات الجهادية، المنتشرة في الشرق الأوسط، وسط اللاجئين. وهو ما عبّر عنه بصراحة رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، في مقال نشرته صحيفة ألمانية، أخيراً، أنّ تدفق اللاجئين إلى أوروبا "ومعظمهم من المسلمين" يهدّد الهوية المسيحية للقارة. وهو الموقف ذاته، الذي عبّر عنه النائب الهولندي عن أقصى اليمين، خيرت فيلدرز، عندما اعتبر موجة المهاجرين التي تتدفق إلى أوروبا بمثابة "غزو إسلامي".

وأوضح ممثلو هنغاريا وسلوفاكيا والتشيك وبولندا، إضافة إلى الدنمارك، مواقفهم الرافضة لخطة البرلمان الأوروبي، وذلك في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الذي انعقد في العاصمة التشيكية، براغ، مطالبين بأن تراقب كل دولة، المجموعة التي تستطيع قبولها من اللاجئين. وترى الحكومات الغربية في هذا الموقف إخلالاً بالالتزامات التي قطعتها الدول الشرقية عندما انضمت إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004، إذ تعهدت بأن تتبنى القيم الأوروبية، بما فيها نبذ الكراهية والعنف والعنصرية وحماية الأقليات.

في المقابل، نجحت بعض مؤسسات المجتمع المدني الحقوقية، عبر التظاهرات التي جابت شوارع باريس ولندن ومدريد، في دفع عدد من الحكومات الأوروبية، للقبول بخطة المحاصصة، إذ أعلنت الحكومة الفرنسية عن الاستعداد لاستقبال 24 ألف لاجئ سوري. كما أعلنت الحكومة البريطانية عن تعيين النائب، ريتشارد هارينغتون، مساعداً لوزير الخارجية، مكلّفاً بشؤون اللاجئين، لتنسيق العمل داخل الحكومة بغرض التكفل بنحو 20 ألف لاجئ سوري، تستعد المملكة لاستقبالهم خلال السنوات الخمس المقبلة.


غير أنّ حكومات غربية أخرى لم تستجب بالطريقة ذاتها، إذ أعلنت الدنمارك، يوم الجمعة الماضي، أنّها لن تشارك في الخطة التي طرحها رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، لتقاسم 160 ألف لاجئ بين دول الاتحاد الأوروبي، وبادرت السلطات النمساوية الى إغلاق الطريق المحاذي لحدودها مع هنغاريا بسبب تدفق المهاجرين الذين يتوجهون سيراً على الأقدام باتجاه العاصمة فيينا.

التفاوت في المواقف الأوروبية، والذي وصل إلى حدّ التخبط، أثار حفيظة المنظمات الإنسانية العالمية التي انتقدت استجابة القادة الأوروبيين لأزمة اللاجئين المتنامية، ووصفتها بـ"عدم التماسك وغياب القيادة والطموح والتضامن الإنساني". واعتبر مدير برنامج أوروبا وآسيا الوسطى في منظمة العفو الدولية، جون دالهاوزن، أنّ "مستوى المعاناة الذي يواجهه اللاجئون الهاربون من العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية". ودعت منظمة العفو الدولية إلى اعتماد مقاربة استراتيجية على مستوى أوروبا لضمان طرق آمنة وقانونية بالنسبة إلى اللاجئين الفارين من الاضطهاد والنزاع.

اقرأ أيضاً: "الدنمارك" بوابة اللاجئين للشمال.. ترحب شعبيّاً وتتراشق سياسيّاً

المساهمون