أنا زلاتان (5)...عندما صرخت "كلكم حمقى، وكرة القدم حماقة"

09 اغسطس 2015
الصورة
+ الخط -

يستكمل "العربي الجديد" تقديم سلسلة مقالات (عصير الكرة) عن أفضل وأبرز ما كتب عن أسرار الساحرة المستديرة وعالم نجومها، ونستكمل، معاً، الكتاب الخاص بالنجم السويدي زلاتان إبراهيموفيتش.

أول ناد انضممت له كان يُدعى MBI، نادي مالمو لكرة القدم والرياضة.. كنت في السادسة من عمري فقط عندما بدأت، كنا نلعب على المساحات الخضراء، وكنت آتي إلى النادي بدراجات مسروقة .. ولم أكن منتظماً في الحضور بشكل جيد .. المُدربون أرسلوني إلى البيت في مناسبات عدة، كنت أصرخ وأرد عليهم ومن ثمّ أقسم لهم .. كانوا يرددون: "مرر يازلاتان" .. وكان هذا الأمر يضايقني .. كنت أطبق الكثير من الحركات التي أتعلمها في المزارع حينها .. لم يعجبهم الأمر، وأخيراً قلت لهم: "اُغربوا عن وجهي، سأبحث عن نادٍ آخر"..

انتقلت إلى نادي البلقان FBK، ولم يكن هناك أي شيء! في نادي MBI، كان هناك لاعبون سويديون وأجانب، وكانوا يتعاملون بشيء من النظام في ذلك الوقت: "هيّا ياشباب، عمل جيد "لكن في النادي الجديد تسمع ألفاظاً بذيئة .. كان أغلبهم مجانين، من يوغوسلافيا يدخنون بشكل كبير جداً .. ويرمون أحذيتهم في كل مكان .. قلت لنفسي: "عظيم، تماماً مثل البيت"..

المدرب كان بوسنياً، كان يلعب بمستوى عالٍ، في وقت مضى، في يوغوسلافيا، هناك .. لكنه كان طيباً وكان أشبه بالأب لنا جميعاً، كان في بعض الأحيان يوصلنا إلى البيت، وأحياناً، أيضاً، يمنحنا بعض المال كي نشتري الأيس كريم وبعض الأشياء التي تساعد على سد جوعنا..

بدأت في حراسة المرمى، في الحقيقة لا أعرف لماذا، ربما لأن الحارس القديم كان قد قال لي: "أنت عديم الفائدة، أنا أفضل منك".. في إحدى المباريات تلقيت العديد من الأهداف .. وغضبت وأصابني الجنون .. قلت لهم : "أنتم، جميعاً، حمقى، وكرة القدم كلها حماقة كبيرة .. سأترك هذه اللعبة الغبية وسأذهب لكي ألعب الهوكي .. سأكون مميزاً هُناك".. كان العالم قد أصبح سيئاً بالنسبة لي في ذلك اليوم .. كنت جاداً في رغبتي في لعب الهوكي، لكن اللعـنة! ذهبت كي أرى تكلفة أدوات لعبة الهوكي، ووجدتها باهظة الثمن .. ثم عدت مجدداً لكرة القدم..

بعد العودة، قررت أن أغير مكاني وأن أصبح الهداف.. لعبت في الهجوم فعلاً، وكنت رائعاً.. في أحد الأيام كنا سنلعب مباراة هامة، لم أتواجد  في الملعب والجميع كان يسأل: "أين زلاتان ؟ أين زلاتان؟" .. المدرب وزملائي كاد يصيبهم الجنون: "كيف يمكنه، حقاً، أن يتغيب عن مباراة هامة مثل هذه".. لكن قبل دقيقة واحدة من انطلاقة المباراة .. شاهدوا ذلك الشخص الأحمق الذي يأتي مسرعاً نحوهم بدراجة مسروقة، يضرب المكابح أمام ذلك الرجل العجوز ومباشرة يدخل إلى الملعب ..

المدرب أصابه الجنون، رمى بعض الرمل في عيني، كاد أن يقتلني، لكنهُ سمح لي باللعب.. وأعتقد أننا فزنا في تلك المباراة..كان بإمكانه أن يعاقبني، لأنه عاقبني في العديد من المناسبات .. في إحدى المرات وضعني في الاحتياط طوال الشوط الأول ..وتأخر الفريق بأربعة أهداف مقابل صفر .. غضبت وقلت لنفسي: كيف يضعني، هذا الأحمق، في الاحتياط.. ذهبت وقلت له: "هل أنت مجنون؟" .. قال لي : "اهدأ اهدأ، سوف تدخل إلى الملعب قريباً" .. فعلا دخلت في الشوط الثاني وسجلت ثمانية أهداف! وانتهت المباراة 8-5 .. نعم،  كنت جيداً .. كنت ألعب بفنيات عالية وكنت في كل مرة أكون في مكان ضيق، أبتكر حركة مميزة للخروج..

يجب أن أذكر أنه لم يكن هناك أي شخص لاحظ موهبتي من أولئك الذين يخرجون الآن ويقولون: "أووه، لقد أدركت أن زلاتان يملك شيئاً مميزاً منذ البداية".. هذا مجرد هراء لأنهُ لم يكن هناك أي شخص يتابعني، ولم يأت أي نادي ليطرق الباب ويطلبني ويبلغني باهتمامه .. بالإضافة إلى أنني كنت متذبذب المستوى .. في بعض المباريات أسجل 8 أهداف، وفي أحيان أخرى أكون خارج الموضوع تماماً..

كان أبي يجلس على أريكته وحوله علب البيرة، أسطوانات الموسيقى، ثلاجة فارغة وتلفاز ينقل أخبار الحرب .. على الرغم من ذلك كان يعود لتناقضه في بعض الأحيان، ويتحدث معي عن كرة القدم، وكنت أسعد، في أي وقت، بالحديث عنها .. في إحدى المرات، تحدث والدي بصفة رسمية قليلاً وقال لي:-
"زلاتان، حان الوقت كي تلعب في نادٍ كبير"!
-فوجئت، وقلت له: "نادٍ كبير؟ أين هو النادي الكبير"..
-قال لي: "نادٍ كبير! فريق كرة قدم مميز، مثلاً نادي مالمو".

كنت أفكر .. ما هو المميز في نادي مالمو .. لم أكن أفكر في مثل هذا التفكير: الأفضل والأكبر .. لكن على كل كنت أعرف النادي، فلقد واجهت بعض لاعبيه عندما كنت ألعب في البلقان .. قلت لنفسي : "لِمَ لا" ؟ .. لكنني لم أكن أعرف الكثير عن النادي، مكان الملعب وهذه الأمور .. اكتشفت، لاحقاً، أن مالمو قريب .. الحياة في وسط مالمو مختلفة كثيراً، لم أفهمها في البداية .. لكنني ذهبت إلى النادي، وعرفت طريق التدريبات .. كنت ألبس ذلك اللباس الخاص، وأستغرق 13 دقيقة، تقريباً، للوصول إلى النادي .. وبالطبع كنت متوتراً  .. فالأمور كانت جدية في مالمو .. الوضع ليس كما هو في تلك الأندية السابقة : "تعالوا لنلعب يا أطفال" .. لا، فلقد كانت هناك أماكن اختبار وبعض الصالات التي لاحظتها على الفور .. كُنت مستعداً لجمع بقية أغراضي والهروب في أي لحظة ..

لكن في اليوم الثاني تغيرت الأمور بعد أن جاء إلي المدرب، كان اسمه نليس، جاء وقال: "أنت، مرحباً بك في الفريق".. لم أصدق، وقلت له في ردي: "حقا؟" .. كان هناك العديد من اللاعبين الأجانب في الفريق، من بينهم صديقي توني .. كان هناك الكثير من السويديين، بعضهم من الطبقة الرفيعة .. شعرت أنني قادم من المريخ، والدي كان لديه بيت جيد، وأنا كنت أحصل على بعض المال .. كنت قد بدأت حتى أتحدث بشكل مغاير، كما أنني بدأت أقاتل، كنت أشبه بالقنبلة .. كنت أقتل نفسي في الملعب .. في إحدى المرات أعطيت بطاقة صفراء لأنني وبخت زميلي في الفريق .. الحكم قال لي: "أنت، لا تستطيع أن تفعل هذا".. قلت له: "اذهب إلى الجحيم" .. ومن ثم ابتعدت ..

بعد ذلك ظهر دخان السويديين..أهل اللاعبين السويديين، كانوا يريدونني خارج الفريق .. ومرة أخرى أظهرت ردة الفعل نفسها، وفكرت: فليذهبوا إلى الجحيم، سأغير هذا الفريق .. أو سأذهب كي ألعب التايكوندو .. إنها لعبة أفضل بكثير .. كرة القدم هراء.. كنت حينها في عمر الـ 13 عاماً..

أحد آباء اللاعبين الأغبياء لدينا دخل إلى التمارين وكان يحمل ورقة في يده، يجمع فيها التواقيع لإخراجي من النادي، مكتوب فيها: "زلاتان لا ينتمي إلى هُنا.. bla bla bla ".. ذلك الأب، كنت قد تشاجرت مع نجله، كنت قد تدخلت بقوة عليه، وتشاجرنا وضربته في جمجمته .. وبصراحة كبيرة كنت قد ندمت بعد ذلك وذهبت لزيارته في المستشفى .. لكن قائمة تواقيع لإخراجي من النادي! إنهُ أمر سخيف حقاً!

أحد المدربين، أكي كالينبيرغ، كان يحدق في الورقة: "ماهذا الشيء السخيف" .. ثم قام بتمزيقها، أكي كان جيداً في الحقيقة .. المدرب نفسه، كان قد وضعني سنةً كاملة مع البراعم في النادي .. كان يعتقد مثل الجميع: أنني أراوغ كثيراً ولا أمرر، وأيضا أصرخ كثيراً على زملائي في الملعب .. ومهما كان رأيي عن هذا الانطباع، إلا أنني تعلمت الكثير خلال هذه السنة: الاحترام يجب أن يكون موجوداً، حتى لو كنت أفضل من بيرزون في ذلك الوقت.. يجب أن تظهر الاحترام وأن تعمل بجد .. خصوصاً إن كنت سارق دراجات في السابق!

اقرأ أيضاً..أنا زلاتان(1)... غوارديولا اشترى فيراري واستعملها كـ "فيات"!
أنا زلاتان(2)...عندما صرخت بوجه غوارديولا "أنت تخاف من مورينيو"!
أنا زلاتان (3).. سرقة الدراجات والطفولة القاسية
أنا زلاتان(4)..بدون الكرة لكنت مجرماً..وعندما قررت تقليد محمد علي

المساهمون