أميركا سوقاً للمنتجات الأمنية

أميركا سوقاً للمنتجات الأمنية

17 مايو 2015
الصورة

بول بريمر برفقة حراس من "بلاك ووتر" في بغداد(14أبريل/2006/Getty)

+ الخط -
جملة من التفاصيل المتناثرة، انتهت إليها القمة الأميركية - الخليجية، لا تشكل، في مجملها، نسقاً استراتيجياً يمكن اعتباره شكلاً من أشكال التحالف، ولا حتى إعادة تجديد للتحالف السابق، في أحسن الأحوال، يمكن القول إنه بناء غير منتظم من تفاهمات غير مؤسسة، ولا متجذرة في البيئة الأمنية العالمية، مجرد شكل فوضوي من العلاقات يمكن الخروج منه، أو من أي من أبنيته في أي لحظة، من دون أي مساس بأبنيته الأخرى، ولا حتى بماكيت التفاهم الذي لم يكن صلباً بما فيه الكفاية. 
لم تكن أميركا في كامب ديفيد معنية بتطمين الآخرين، ولا ترضية خواطرهم ومنحهم ضمانات واقعية، من جراء ما يعتبرونه تغييراً في المعادلات الأمنية في المنطقة، وإخلالاً بتوازن القوى لصالح إيران، ذلك أن دبلوماسية إدارة أوباما تفهم جيداً عبارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، مناحيم بيغن، التي قالها رداً على دبلوماسي أميركي وعده بضمانات مقابل انسحاب إسرائيل من سيناء "في كل العالم، ليس هناك ضمانات تستطيع ضمان الضمانات". كل ما أرادته إدارة باراك أوباما من اللقاء توظيف الصورة على أنها موافقة خليجية على الاتفاق النووي، لتحويلها إلى ورقة في مواجهة الكونغرس الأميركي وبعض الرؤوس الحامية التي ما زالت غير مدركة معاني التحولات في السياسة الأميركية تجاه العالم، ولتقول لهم لا تكونوا ملكيين أكثر من الملوك أنفسهم.
لكن، وحتى تكتمل قراءة الصورة جيداً، كشف العناد الخليجي ودبلوماسية المواجهة والإصرار على تعريف طبيعة العلاقة، وتوضيح ماهيتها وأبعادها، جزءاً كبيراً من مشهد التحول الأميركي والتكتيكات التي تتبعها السياسة الأميركية الجديدة، والقائمة على مبدأ تحقيق المصالح مع الجميع، عبر لعبة جريئة، تقوم على الاشتباك معهم في ساحاتهم، واللعب على كل الملاعب، ومع كل الأطراف، اللعب على المخاوف الأمنية والتناقضات القائمة في كل الأقاليم. لذا، من السهل رؤية الشيء ونقيضه. نتيجة ذلك، تقوم أميركا بتزخيم ديناميات الصراع في كل الملفات، من دون أن تذهب إلى حسم أي واحدة منها، فهي، مثلاً، تقول إنها ضد نظام بشار الأسد، لكنها ترفض سقوطه في الوقت نفسه، وتدعي أنها تدعم عاصفة الحزم، وتترك لإيران حرية الحركة والتخريب، وتشدد على حق أوكرانيا في الاستقلال، وتنشط علاقاتها مع موسكو، وقل الشيء نفسه عن التنسيق مع الصين، ومحاولة طمأنة جوارها من الهند إلى تايوان والفلبين! ولا شك في أن هذا النمط من إدارة الملفات، أو ما تعتبرها واشنطن "إدارة التوازنات" يوضح، بدرجة كبيرة، أسباب افتقاد السياسة الأميركية الخطوط الحمر، وتكثف سياسات الأبواب المواربة والمفتوحة في السلوك السياسي الخارجي.
قد يكون تفسير ذلك أن أميركا توصلت، في خلاصة أزمتها الاقتصادية المريرة، إلى أن مسألة ضبط العالم بالقوة قضية مكلفة، وغير قابلة للتحقق، كما أنه من الفائدة عدم البقاء ضمن منطقها، والأفضل ترك ديناميكية الصراعات على ما هي، لتنتج، في النهاية، توازناتها ومعادلاتها. ومن الأفضل، أيضاً، لأميركا التحول إلى منطق آخر، هو فتح العلاقات مع كل الأطراف، والاستفادة من التناقضات، ورسملتها جميعها لصالحها. وثمة تفسير آخر، فحواه أن أميركا انبهرت بالتجربة الصينية التي تكسب في كل الأماكن والأقاليم، ولا تترتب عليها التزامات، فهي تجربة قائمة على سفن السلع، وليس على بوارج السلاح، وكل شيء قابل للتحول إلى سلعة، حتى القوة نفسها.
ترجمة لهذا التحول، طرحت واشنطن على ضيوفها الخليجيين أنماطاً جديدة من العلاقات، يقع في صلبها استثمار القوة سلعة، فهي طرحت عليهم شراء الأسلحة أو استئجار قوة أميركية في مقابل ثمن، مثل منطق الشركات التي تبيع الحماية، يقوم على قاعدة إنشاء منظومات أمنية تقنية من سلاح ومعدات وتقنيات، وهيكلية تتعهدها أميركا، إنشاءً وصيانة دائمة وتجديداً. وتدخل، في نطاق هذه البنية الأمنية، إن أمكن، القواعد الأميركية الثابتة والسفن الجوالة في المنطقة، على أن تبقى ملكية الأخيرة أميركية ونتاج عملها لصالح القوة الأميركية، لكن يتم احتسابها من ضمن المنظومة الأميركية التي تستلزم دفع مقابل لها.
لا شك في أن ذلك إلغاء صريح للرؤية السياسية وللموقف السياسي تجاه الصراعات، وتحويله بدل ذلك إلى علاقة زبونية. وفق ذلك، يصبح التعامل الأميركي مع القضايا بحسابات القطعة، وليس بحساب المجمل الاستراتيجي. وترجمةً لذلك، أصرت إدارة أوباما على عدم شمول تعاونها الصراعات الداخلية، وهي تدرك سلفاً أن إيران دائما ما تمترست في التفاصيل الداخلية، ولم يحصل أن شنت حرباً مباشرة في الإقليم، ما يعني أن السياسة الأميركية تترك لها نوافذ عديدة، للدخول الى تهديد الأمن الداخلي، من دون أن يحسب تصرفها هذا عدواناً. وبالتالي، لا يدخل في إطار مهام المنظومة الأمنية المنوي إنشاؤها!
وفق هذه الرؤية، تؤسس أميركا علاقاتها مع الأطراف على قاعدة الجيو اقتصادي، بدل الجيو استراتيجي، انسجاما مع طبيعة المرحلة الدولية التي تسيطر عليها الحرب الاقتصادية الباردة. وتحول هذه الرؤية العالم إلى فضاءات وأسواق لبيع المنتجات، بما فيها المنتج الأمني، من دون أن يكون له أي طابع سياسي، مثل أي سلعة، فقط يلزم الأطراف التي تشتري السلعة، بالرجوع إلى البائع، لتطوير المنظومة الأمنية أو تحسين تقنياتها. وبديهيٌّ، وفق هذا الفهم، فإن عين أميركا ستكون مصوّبة على احتكار سوق السلاح الخليجي، وإبعاد المنافسين، وخصوصاً فرنسا التي عقدت في العام الماضي وحده صفقات مع الخليج، بقيمة 15 مليار دولار.