المستثمرون تحت الحصار...أميركا تتجه للانضمام لنادي "السندات السالبة"

19 اغسطس 2019
الصورة
قلق استثماري من فقاعة الأسهم الأميركية (Getty)
دفعت مخاوف تدهور النمو الاقتصادي العالمي وانخفاض نسبة التضخم العديد من دول العالم والشركات الكبرى لإصدار سندات خزانة بعائد سالب، أي أقل من صفر. وهو ما يعني أن المستثمر في هذه السندات سيخسر بالتأكيد جزءاً من أمواله المستثمرة في حال الاحتفاظ بالورقة المالية حتى نهاية مدة استحقاقها. ولكن، ما الذي سيدفع المستثمرين لوضع أموالهم في أدوات استثمارية تجلب لهم الخسارة؟

السبب، بمنتهى البساطة، وحسب محللين غربيين، يتمثل في المخاطر العالية في أسواق الأسهم والصرف وقلة الأدوات الاستثمارية الآمنة. ويلاحظ هؤلاء المحللون تزايد قلق المستثمرين في الآونة الأخيرة من المخاطر الجيوسياسية وحروب الرسوم الجمركية بين الصين وأميركا وتقلب أسواق الصرف واحتمال انفجار فقاعة الأسهم في أسواق رئيسية مثل "وول ستريت" وشنغهاي وبكين وهونغ كونغ. وبالتالي، فإن كبار المستثمرين يتخوفون من فقدان ثرواتهم، وتبعاً لذلك يبحثون عن أدوات "الاستثمار الآمنة"، أكثر من بحثهم عن الربح.

ويلاحظ أن الأدوات الآمنة المتمثلة في الذهب والفضة، أدوات ضيقة لا تتسع لاستثمار تريليونات من الدولارات مثل الحال بأسواق السندات أو الأسهم. في هذا الصدد، يقول مدير الأصول بمصرف "جي بي مورغان" الأميركي، إيان ستيلي، في تعليقات لصحيفة "فاينانشيال تايمز": "تنظر حولك هذه الأيام وتتساءل: ما الذي يمكنني شراؤه لتحقيق عائد .. إنه مناخ استثماري صعب".

ومن بين الدول الكبرى التي تبيع سندات دين سالبة حالياً، كل من دول منطقة اليورو واليابان، وهنالك توقعات من قبل العديد من البنوك الاستثمارية العالمية، بأن مجلس الاحتياط الفدرالي "البنك المركزي الأميركي"، ربما سيلجأ إلى العائد الصفري أو السالب في نهاية العام الجاري أو العام المقبل.
في هذا الصدد، اقترح رئيس مجلس الاحتياط الفدرالي الأسبق، ألان جرينسبان، أن يتبنى المركزي الأميركي فكرة العائد السالب على سندات الخزانة الأميركية بنهاية العام الجاري. وقال جرينسبان في لقاء مع تلفزيون "سي أن بي سي" الأميركي: "لا شيء يمنع مجلس الاحتياط الفدرالي من تطبيق العائد السالب على السندات".

وأضاف جرينسبان: "المعطيات في سوق السندات العالمية تساعد على خفض العائد على السندات الأميركية... وخفضها إلى صفر لا معنى له ولا شيء يمنع خفض العائد إلى أقل من صفر".

وحسب صحيفة "فاينانشيال تايمز"، فإن السندات التي يتم تداولها حالياً بعائد سالب تقدر قيمتها بنحو 16 تريليون دولار. وهو ما يعادل نسبة 27% من إجمالي حجم السندات الدولية المقدرة بنحو 55 تريليون دولار.

ومن المتوقع أن يؤدي العائد السالب على سندات الخزانة الأميركية، لأجل عشر سنوات، إلى خفض العجز بالميزانية الأميركية. ويقدر مكتب الميزانية بالكونغرس في تقرير هذا العام حجم الأموال التي تدفعها الحكومة الأميركية لخدمة فوائد الدين العام بحوالي 550 مليار دولار. ويفوق حجم الدين العام الأميركي حالياً 22 تريليون دولار.

ومن بين العوامل الرئيسية التي ستدفع مصرف الاحتياط الفدرالي الأميركي لإجراء خفض كبير على نسبة الفائدة ربما إلى الصفر أو السالب، الحرب التجارية الشرسة بين واشنطن وبكين والتي تهدد بحدوث ركود اقتصادي في أميركا.

وهو ما يتعارض مع طموح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يسعى لكسب معركة النزاع التجاري وحرب العملات مع الصين، التي تمثل واحدة من أهم أدوات حملته الانتخابية المقبلة.

ويخوض الرئيس الأميركي حملة الانتخابات الرئاسية المقبلة، على أساس النجاح الاقتصادي وازدهار سوق "وول ستريت". وبالتالي، فهو يرغب في توفير الأموال الرخيصة للشركات والبنوك الكبرى لاستثمارها في سوق "وول ستريت" حتى يتواصل انتعاشه، وكذلك إنعاش السوق الاستهلاكي الأميركي المهم لدعم النمو الاقتصادي.

وعلى الصعيد الدولي، يفيد العائد السالب الذي سينتج من الفائدة السالبة، على المدى القصير الدول الناشئة، كما يساهم في تحريك سوق أدوات المال الخطرة بالدول الغنية، حيث إنه سيساعد في تدفق التمويلات من الدول الغنية إلى الدول الناشئة وشركاتها، كما سيسمح لها بخفض نسبة الفائدة. وبالتالي، فإن دولة مثل تركيا ستتمكن من خفض الفائدة بنسبة كبيرة خلال الفترة المقبلة وتتمكن تلقائياً من التخفيف من أعباء الدين العام.

خاصة وأن البنوك التجارية الأميركية والأوروبية، التي تحصل على تمويلات رخيصة من بنوكها المركزية، ستسعى لتحقيق عائد كبير عليها في الدول الناشئة التي يرتفع فيها العائد على أذونات الخزانة وسندات الدين التي تصدرها الشركات.

وسياسة الفائدة السالبة، سياسة نقدية حديثة طبقتها البنوك المركزية في أعقاب أزمة المال العالمية في العام 2008، وأول من طبقها البنك المركزي الأوروبي بعد أزمة المصارف التي كادت أن تفلس العديد من دوله الضعيفة اقتصادياً.

وكان المركزي الأوروبي يستهدف من هذه السياسة دفع البنوك التجارية إلى إخراج إيداعاتها من البنوك المركزية إلى سوق الاقتراض. وبالتالي المساهمة في إنعاش الاقتراض الشخصي وتعزيز القدرة الاستهلاكية ودفع الشركات إلى الحصول على تمويلات رخيصة لإدارة عجلة الإنتاج. وتلقائياً تمكنت منطقة اليورو من الخروج من الركود إلى النمو. وهو ما تحقق جزئياً خلال العامين الماضيين.

ولكن الفائدة السالبة أو العائد المنخفض على السندات، ربما يتسبب في مخاطرة كبيرة على أسواق المال في المستقبل، إذ تقود هذه الفائدة تلقائياً إلى نشوء فقاعة أصول، أي رفع الأسعار السوقية للأصول فوق قيمتها الحقيقية، وهو ما يهدد لاحقاً بحدوث أزمة مالية في العالم.

في هذا الصدد، يقول مؤسس شركة "أوك تري كابيتال" البريطانية، هاورد ماركس، في مذكرة للعملاء: "الفائدة المنخفضة ستدفع المستثمرين للاستثمار في الشركات ذات الأداء الضعيف والسندات الخطرة، وهو ما قد يصنع فقاعة أصول في المستقبل".

دلالات