ألعاب الطاولة: إعادة اكتشاف العالم

12 اغسطس 2020
الصورة
تعتمد المونوبولي على التملك والتبادل (Getty)

أدى الحجر الصحي، وبقاء الكثير في منازلهم، إلى إنتاج وقت كبير من الفراغ؛ أي ذاك الذي لا عمل فيه. صحيح أن البعض تابع عمله عن بعد، إلّا أن أسراً بأكملها اضطرت إلى أن تبقى في المنزل، ما يعني كثيراً من ألعاب الفيديو وساعات المشاهدة الفردية الطويلة على المنصات المختلفة، ما هدد الأنشطة التي تجمع الأسرة ويجعلها تلتف حول لعبة أو نشاط واحد، وهذا يعيد للأذهان الألعاب المنزلية، أو ألعاب الطاولة (اللوحية)، كـ المونوبلي والريسك والمغفل، وغيرها من الألعاب التي فقدت شعبيتها بسبب طغيان الشاشات، وخيارات التسليّة فيها. 
هذه الألعاب وعلاقتها بالأوبئة تتجلى في لعبة "وباء" التي صدرت عام 2004، بعد انتشار وباء سارس. اللعبة قام بتصميمها مات ليكوك الذي كان يعمل في شركة ياهو، إذ استفاد من وقت فراغه لتظهر أمامنا اللعبة بعد أربع سنوات، والهدف منها تعاون اللاعبين مع بعضهم بعضاً من أجل إيقاف انتشار أربعة أمراض أصابت العالم، ويمكن أن تقضي عليه. عادت هذه اللعبة للانتشار حالياً بين الأطباء، كونها تمنح أملاً للعاملين في القطاع الصحي، وتساعدهم على العمل معاً.
عودة هذه الألعاب كنشاط للأسرة والأصدقاء، يعكس الحاجة الماسة للتواصل والأنشطة الجماعيّة الداخليّة بين الأفراد، في ظل غياب الأنشطة الخارجيّة، والانهماك التام في الشاشات.
هنا، تظهر هذه الألعاب كأسلوب لاكتشاف العالم وما حولنا بصورة مختلفة، ولاجدّية تختلف عما نشهده في العالم الجدّي، كلعبة ريسك، حيث يسعى اللاعبون للسيطرة على العالم. وهنا تظهر لعبة بانداميك مرة أخرى، فعوضاً عن السيطرة على العالم، لا بد من إنقاذه من الوباء والتنقل بين البلدان لنفي المرض منها، إلى جانب خاصية البناء التي فيها والتملك والتبادل، المشابهة لما نختبره في لعبة مونوبلي. 

بعيداً عن لعبة بانداميك، ألعاب الطاولة والفترة الطويلة نسبياً للعبها، ونظام المنافسة والمواجهة فيها، تشكل طقساً اجتماعياً قائماً على التفاعل الشخصي، واكتشاف أولئك الأقرب منا، والذين اخترنا أن نحجر معهم بصورة مختلفة، قد لا توفرها الأنشطة الأخرى، خصوصاً أن المزاح والجد يتخلل اللعب، والتلاعب بالقواعد ومدى الالتزام بها يعكس جوانب مختلفة لدى الأفراد، بين الأكثر تسامحاً مع "الغش" وأولئك الصارمين الذين يتبعون القواعد بدقة. 
ألعاب الطاولة وألعاب الورق، والمسابقات المنزليّة، وغيرها، قد تبدو بقايا من العصر الحجري حين الحديث عنها الآن، إلا أن بعض المصممين المستقلين ما زالوا يعملون على إنتاجها، بأشكال وتصميمات ترتقي إلى العمل الفني، وبعضها يراهن على المرح والمقالب الطفوليّة، كلعبة Ugg-Tect، التي يسعى اللاعبون ضمنها إلى إنجاز أبنية باستخدام اللالُغة، أو أصوات من دون كلمات، وفي حال لفظ أحدهم كلمة، ينال ضربة على رأسه بعصا مطاطية مملوءة بالهواء، في حين أن اللاعبين في "الشتاء الميت" عليهم النجاة في ظل عالم يحتله الزومبي. 
ما هو جمالي في ألعاب الطاولة هذه هو شرط التصديق، أي الاتفاق التام بين اللاعبين على اللعب، خصوصاً في ظل سهولة تخريب اللعبة، بعكس ما هو في ألعاب الفيديو القائمة على الاندماج الكليّ الذي تسببه حالة الانغماس في الشاشة والتناسق بين العين واليد، فألعاب الطاولة، تتيح الوقت لسوء التقدير والسهو، وأحيانا التسامح من دون التلاشي كلياً في الشاشة، قد يصف البعض ذلك بالسذاجة، أو "البدائيّة"؛ فلم استبدال الواقعية المفرطة بلعبة ورق وكرتون؟ الإجابة تكمن بأن ألعاب الطاولة قائمة على تطابق جسد اللاعب مع الشخصية التي يؤدّيها، بعكس تلك الشخصيات على الشاشة، التي تموت وتبعث مراراً.

ففي ألعاب الطاولة، نحن نلعب مع أشخاص من لحم ودم، يجلسون قربنا ونقرأ أجسادهم، وليسوا مجرّد أفاتارات متخيّلة.