"بنت من شاتيلا" لـ أكرم مسلم.. أسئلة عن موقع الضحية

01 اغسطس 2019
الصورة
من أحد مواقع المذبحة في شاتيلا
+ الخط -

منذ الصفحة الأولى من "بنت من شاتيلا" يجد القارئ نفسه في مشهد المذبحة: جثث مكدسة وذباب الموت، وطفلة تتوسط المشهد يغطيها الدم وعلى جبينها ذبابة من تلك، يطلب منها مُصوّر مرتبك ألا تتحرّك.

من خلال الناجين من المجزرة والأبعاد النفسية والاجتماعية لتجاربهم، يحاول الكاتب الفلسطيني أكرم مسلّم في روايته (دار الأهلية، 2019)، أن يستعيد مجزرة "صبرا وشاتيلا" في لبنان عام 1982، التي راح ضحيتها أكثر من 3000 لاجئ فلسطيني على أيدي مليشيات "حزب الكتائب اللبنانية" المدعومة من جيش الاحتلال الإسرائيلي (بقي رقم الضحايا خارج التوثيق الدقيق، وتشير بعض المصادر إلى أن العدد تجاوز الـ4000).

تدور أحداث الرواية حول قصّة الطفلة حورية (ست سنوات) الناجية الوحيدة في العائلة من المجزرة، باستثناء والدها الفدائي (الجمل) الذي كان غائباً وقتها، وشقيق آخر تحمله الصفحات المتقدمة كمفاجأة غير متوقعة، ليكبر الفقدان مع حورية وتسافر إلى ألمانيا، ويلتقي معها مصادفة طالب من رام الله يدرس في جامعة بيرزيت، ضمن برنامج تبادل أكاديمي، ويتعرف على قصتها الشخصية وتصدمه التفاصيل، فيُفاجأ بأنها تلك الطفلة التي شاهدها على التلفاز وقت الحدث، وتركت في نفسه أثراً عميقاً، خاصة أنه يماثلها في العمر.

تتشارك الشخصيات الفلسطينية في الرواية في الشقاء والذكريات المؤلمة، والشعور بالاغتراب في أرض اللجوء، ويتتبع مسلّم في ذلك مصائرها في المخيمات في بلدان عربية، وفي الدول الأوروبية.

يحاول مسلّم تقديم بناء يتعمّد مفاجأة القارئ من خلال مداخل صادمة كالتي تُستخدم في السينما بانقطاع التسلسل الزمني أو المكاني للقصة لاستحضار مشاهد من الماضي والتي يُطلق عليها في لغة السيناريو "فلاش باك"، أو من خلال سرد مشهد متقدم والعودة إليه لربط الأحداث، في محاولة لنقل أزمة الأحداث ومأساويتها إلى القارئ. وهي تقنية قد تؤدي أحياناً إلى تشتيت القارئ كما حدث في آخر الرواية.

يتأثر الكاتب بمهنته في استخدام بعض التعبيرات الصحافية، مثل قوله "قد يتفهم المراقب" أو كلمة "تضيف" في جملة كهذه: "وليته لم يلتق، تضيف الأم الراوية أمنيتها للحكاية"، في حين اعتمد في تسمية شخوص الرواية على النعوت (الرجل الأنيق، الحورية، الرجل الدائري، المرأة العجوز، الجمل، الخالة)، كل ذلك في توظيف دقيق للخيال وتوزيع التركيز في سياقات مفهومة متناغمة.

تعامل مسلّم مع شخصيات الرواية بواقعية جريئة منزوعة المثالية، وقد تكون روايته هذه من المحاولات السردية الفلسطينية القليلة التي تعرض حياة زوجات الفدائيين أو المفقودين، مثل وقوع "الخالة" في صراع بعد اختفاء زوجها (30 عاماً) بين الوفاء أو الاستجابة لأنوثتها، حيث تذهب إلى المحكمة من أجل خلعه باعتبار أنه استشهد، والزواج بآخر.

وبالرغم من عمق القضايا الجامعة لهم الإنسان لفلسطيني التي عالجها الكاتب بأدوات فنية مقنعة، إلا أن موقفه السياسي (الفلسطيني الداخلي) بدا خادشاً بعض الشيء لنسيج الرواية في أحد مشاهدها، حين تحدّث شيخُ مسجد من غزة فرحاً بنبأ اغتيال خليل الوزير "أبو جهاد"، وقال: "كفّار يقتلون كفّاراً" وأعطى مساعد "الجمل" حبّة "ملبّس" خضراء، في تلميح إلى أن الشيخ ينتمي إلى حركة حماس.

تنقضي مدة وجود "الرجل الأنيق" (الطالب من رام الله) في ألمانيا، التي حاول خلالها تقديم القضية الفلسطينية في اللقاءات التي شارك فيها أمام الحضور الألماني، حيث يتحدث الروائي عبره عن النظرة الاستشراقية تجاه الفلسطينيين، والتغطية الإعلامية المجتزأة للقضايا الكبرى.

يحاول "الرجل الأنيق" في آخر لقاء عام بعد اكتشافه لصدفة وجود "الحورية" أن يقدمها لتحكي قصتها، ولكنها ترفض. وفي حديث لاحق معها تقول له إن العالم شاهد ما حدث في المجزرة وقتها، وبقي صامتاً، ورغم كل شيء فهي لا تريد البقاء في موقع الضحية.

"بنت من شاتيلا" هي الرواية الرابعة لأكرم مسلّم بعد "هواجس الإسكندر" 2003، و"سيرة العقرب الذي يتصبب عرقاً" 2008 (تُرجمت للفرنسية والإيطالية)، و"التبس الأمر على اللقلق" 2013.

المساهمون