أفورقي في مقديشو.. والفيل في الغرفة

17 ديسمبر 2018
الصورة

أفورقي (يمين) وفرماجو (يسار) في مطار مقديشو (13/12/2018/فرانس برس)

+ الخط -
منذ تساقطت كتل جليد التوتر السياسي بين إثيوبيا وإريتريا منتصف العام الجاري، بدأت جهود إقليمية لحلحلة أزمات المنطقة، بإعادة البعثات الدبلوماسية إلى كل من أسمرة  وجيبوتي وأديس أبابا، ولتوسيع رقعة الإصلاحات الجذرية هذه في القرن الأفريقي، زار الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، العاصمة الصومالية مقديشو أخيرا، وأجرى لقاءات موسعة مع كبار المسؤولين الصوماليين، في مقدمتهم الرئيس محمد عبدالله فرماجو، والذي زار أسمرة قبل شهور، لمواكبة التطورات الإقليمية، وإيجاد مخرج آمن لبلاده، نحو بر الأمان.
وجاءت زيارة أفورقي التاريخية مقديشو  في أجواء احتقان سياسي تسود البيت الصومالي، غداة خلافات سياسية عميقة، قسمت أعضاء البرلمان، وأشاعت أجواء توتر غير مسبوقة تعصف بالحكومة الفيدرالية، إذا لم يتمكّن القادة في القصر الرئاسي من احتواء هذه الأزمة سريعاً، فوصول خبر مفاده "عزل الرئيس" إلى الإعلام الدولي سيربك حسابات الصومال الخارجية الذي كان يحاول تلميع صورته التي طغت عليها التراكمات السلبية ردحاً من الزمان، فالمستفيدون من تلك التغطيات الإعلامية المغرضة كثيرون، وما زالت بعض المواقع الخليجية تتحفنا بسيل جارف من أخبارها المزيفة والمغرضة أيضاً.
تأتي أهمية زيارة أفورقي الصومال، في محورين رئيسيين، أولهما أن الرجل يريد الخروج من عزلته الدولية والإقليمية. وتأتي زيارته بعد أن تحقق له ما أراد، وخصوصا بعد رفع الحظر عن بلاده في قرار أممي تاريخي الشهر الماضي. ولهذا يبحث عن شراكات جديدة مع الدول الإقليمية أولاً، فبعد تشبيك علاقاته مع أديس أبابا، تأتي مقديشو المهمة الثانية، لتأكيد ما توصلت إليه المباحثات والاتفاقيات في أسمرة وأديس أبابا في نوفمبر/ تشرين الثاني، وثانيها أنه يسعى إلى تأطير علاقاته الخارجية عبر محطة ترنست هذه في مقديشو، لتنطلق رحلته نحو العالم، وخصوصا صوب دول الخليج، على غرار أديس أبابا التي لها صلات وثيقة مع كل من الدوحة وأبوظبي والرياض.
أثار التساؤلات غيابُ أريتريا عن كيان جديد يضم سبع دول أفريقية وعربية بفكرة سعودية، وهو تكتل "دول البحر الأحمر" الذي رأى النور أخيرا في الرياض، فما هو الغرض من تغييب أريتريا أو إبعادها عن هذا النادي، على الرغم من أنها من الدول المشاطئة للبحر الأحمر، مع العلم أن علاقات أسمرة مع الرياض وأبوظبي كانت جيدة، واتسمت بالاستراتيجية منذ أن اندلعت حرب اليمن بقيادة التحالف السعودي صيف 2015، فهل يبحث أفورقي في مقديشو عن أجوبة لهذا السؤال، وعن أسباب إهمال حلفائه في الخليج؟

يقول المثل الغربي "الفيل في الغرفة". وتتزامن زيارة رجل إريتريا القوي مع أزمة في الصومال تتجاهل السلطات التنفيذية إيجاد حل أو مخرج لها، فهذه الأزمات الدستورية بين السلطات التشريعية والتنفيذية كانت رائجةً في الحكومات الانتقالية والفيدرالية سابقاً، فهي ليست جديدة، بل درجت العادة في المشهد الصومالي السياسي أن تتكاثر الأزمات السياسية، في حقل موبوء بالمشكلات، لكن هذه الأزمة الجديدة تختلف عن سابقاتها، كونها لا تحمل انفراجةً قريبةً، نتيجة تصادم بين رئيس مجلس البرلمان، محمد مرسل، وقادة الحكومة الفيدرالية، وهو ما يعني أن الخلافات تجاوزت نواب البرلمان فقط، ولا تنتهي عند حلها، بل ستطيح رئيس البرلمان نفسه أو رئيس البلاد أو رئيس حكومته، وهذا إذا لم تكن هناك حلول قوية أو وساطة دبلوماسية من طرف ثالث، تكفي الجميع من نار شرر قد ينسف الجميع من المناصب.
تنبعث رائحة بارود النار السياسية هذه من فساد مالي، كشفتها اللجنة المالية في البرلمان الصومالي، وهي جذوة النار التي أشعلت شرارة الأزمة، وذلك عقب حلّ النائب الأول لرئيس مجلس الشعب هذه اللجنة، نتيجة غياب رئيس البرلمان في رحلة عمل في الخارج. وبعد عودته، أفصح عن عدم شرعية هذه الخطوة، وأتاح للجنة استمرار عملها، واستلم مذكرةً لعزل الرئيس الصومالي فرماجو.
ليس استخدام القوة المفرطة لتغليب آراء الخصوم قراراً صائباً لحل المشكلات العالقة بين أقطاب الحكومة الصومالية، كما أن من المخيب للآمال تبني سياسات التضييق والخنق، سواء ضد نواب البرلمان أو رئيس البرلمان، فعُقد الخلافات لا تنفك هكذا سريعاً بالغصب أو اللعب بالنار، بل تحتاج سياسة ضبط الأعصاب وممارسة سياسة هادئة، لنزع فتيل الأزمة الراهنة، كما كان يفعلها الرؤساء السابقون، على الرغم من أنها كانت قرارات قاسية، تذهب برأس الحكومة دوماً قبل أن تسقط أحجار الدومينو دفعة واحدة، ويدخل البلاد في حالة تيه سياسية غير حكيمة بالمرة.

أمام السلطات التنفيذية خياران، أحلاهما مُر، الرضوخ لمطالب رئيس المجلس التشريعي، محمد مرسل، وهي تتمحور في ثلاث نقاط: إعادة عمل اللجنة المالية للبرلمان المحلي، وأحقية ترشح مختار روبو (نائب رئيس حركة الشباب سابقاً) للانتخابات الرئاسية في إقليم جنوب غرب الصومال، وإعادة قوات صومالية أوفدتها الحكومة إلى بيدوا التي ستشهد انتخابات رئاسية للإقليم لتثبيت الأمن، على الرغم من أن سياسيي الإقليم يرفضون تلك القوة العسكرية. والخيار الثاني، وهو الأشد فظاعة، أن تتخذ إجراءات صارمة ضد كل من يحوم حول رئيس البرلمان وكتلة برلمانية تقف نهاراً جهاراً عبر منابر الإعلام للنيل من الحكومة الصومالية.
إذا، تؤدي كل الطرق، في النهاية، إلى مفترق طرق للصومال الجديد، فإما أن تمسك الحكومة الفيدرالية العصا من الوسط، وتذلل الصعاب والعقبات التي تعترض طريقها، وتفتح حواراً جاداً مع خصومها السياسيين والمعارضين، كما فعلت مع أديس أبابا وأسمرة، فحل الجبهة الداخلية وإبعاد البيت الصومالي عن أزمات سياسية قاتلة هي أنجع من التودد إلى أسمرة، فالسياسات الداخلية انعكاس حتمي للبعد الخارجي دائماً، ومن الضروري أن تتصالح الحكومة، وتمد يدها لرؤساء الحكومات الفيدرالية أولاً. وثانياً أن تحل الأزمة الراهنة بطريقة سلمية تجنب البلاد فراغاً سياسياً يطيح آمال الصوماليين في الداخل والخارج.
3F6C2AC1-09AD-4357-AA15-D946B74B0C95
الشافعي أبتدون