أفغانستان: خلافات بشأن الحكومة المؤقتة وموقف موحد من باكستان

أفغانستان: خلافات داخلية بشأن الحكومة المؤقتة وتوحد بوجه باكستان

09 ابريل 2019
الصورة
غني: فكرة الحكومة المؤقتة غير دستورية (الأناضول)
+ الخط -

في خضم مساعٍ تبذل للتوصل إلى سلام في أفغانستان، باتت قضية الحكومة المؤقتة من أكثر القضايا التي تتم مناقشتها على الساحة الأفغانية. وفيما نفت حركة "طالبان" والجانب الأميركي مناقشة هذا الأمر خلال خمس جولات من الحوار بين الطرفين، آخرها انتهى في الدوحة في مارس/آذار الماضي، فإن تمسك باكستان بالفكرة أشعل خلافاً قوياً مع مسؤولين أفغان، اعتبروا أن هذا الأمر تدخل من إسلام أباد في شؤونهم الداخلية، على الرغم من أن بعضهم يطالب بهذا الأمر. لكن مراقبين للوضع الأفغاني يرون أن تشكيل الحكومة المؤقتة قد يكون المطلب التالي لـ"طالبان" إذا توصلت إلى اتفاق نهائي مع الجانب الأميركي بشأن القضايا المطروحة على الطاولة، إذ لا يمكن لها أن تقبل المصالحة في ظل وجود الحكومة الحالية، التي لا تعترف بها أصلاً وتصفها بأنها "عميلة".

وترفض الحكومة الأفغانية بشدة فكرة الحكومة المؤقتة والمساومة على الانتخابات المرتقب إجراؤها في سبتمبر/أيلول المقبل. وأكد الرئيس الأفغاني أشرف غني، أكثر من مرة، أن الحكومة لن تقبل أي مساومة على الانتخابات، وأن الانتخابات والمصالحة مشروعان مختلفان. وشدد على أن "الانتخابات مطلب الشعب، وأنه يريد انتقالاً ديمقراطياً للسلطة". وفي مقابل موقف الحكومة الأفغانية، فإن قياديين معارضين للرئيس، ينضوون تحت مظلة الرئيس السابق حامد كرزاي، اللاعب الأساسي ضد الحكومة، يرون أن الحل الأمثل والأساسي للوصول إلى أي اتفاق مع "طالبان"، بهدف وقف حمام الدم، هو الإطاحة بالحكومة الحالية، وإحلال حكومة انتقالية مكانها، بينما يوضح آخرون أن فترة حكومة غني ستنتهي بعد شهرين وبالتالي لا يمكن لها المضي قدماً حتى سبتمبر، موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، وأن الحكومة الانتقالية أو المؤقتة حل لهذه المعضلة الدستورية. ومن أبرز المروجين للفكرة كرزاي، الذي تلقى رداً من غني، كما قال مصدر في الرئاسة لـ"العربي الجديد". وقال غني لكرزاي إن "فكرة الحكومة المؤقتة غير دستورية، وهي غير مقبولة"، مشدداً على أن "المصالحة والانتخابات مشروعان مختلفان، ويجب أن تقوي المصالحة النظام الديمقراطي في البلاد لا أن تقضي عليه".

وانضم زعيم الحزب الإسلامي قلب الدين حكمتيار إلى الداعين لتأليف حكومة مؤقتة، مؤكداً، في بيانات، أنه "يجب تشكيل الحكومة المؤقتة من أجل التوصل إلى اتفاق مع حركة طالبان". ولم يكتف الأمين العام للجمعية الإسلامية محمد عطاء نور بالتمسك بضرورة تأليف حكومة مؤقتة، بل إنه هدد بإسقاط الحكومة التي يقودها عبد الله عبد الله. وأعلن نور، المعروف بعدائه للرئيس بعد أن أزاحه من منصب حاكم إقليم بلخ شمال أفغانستان، خلال لقاء شعبي في بلخ أخيراً، أنه "لن يسمح لغني أن يبقى في الحكم بعد انتهاء مدته الرئاسية بعد شهرين". لكن ما أثار استغراب الأفغان هو موقف المرشح للانتخابات الرئاسية محمد حنيف أتمر، الذي يدعي أنه سيفوز بالرئاسة، كونه بقي مستشار الأمن القومي لغني على مدى أربعة أعوام. وقال أتمر، خلال لقاء شعبي في بلخ، إن "أي خطوة من شأنها إنجاح عملية السلام لا بد أن يؤخذ بها، حتى ولو كانت فكرة الحكومة المؤقتة".



لكن اللافت في قضية تشكيل الحكومة المؤقتة في أفغانستان موقف باكستان، إذ إنه وعلى الرغم من أنها أدت إلى توتر كبير في العلاقات بين كابول وإسلام أباد، وصل إلى حد استدعاء الحكومة الأفغانية سفيرها من باكستان، فإن الحكومة الباكستانية تُصر على أن الحل الوحيد للمعضلة الأفغانية هو تشكيل حكومة مؤقتة، وبعبارة أخرى القضاء على الحكومة، التي يقودها عبد الله. وكرر رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان الدعوة إلى تأليف حكومة مؤقتة في أفغانستان 3 مرات أخيراً. واعتبر خان، خلال خطاب أمام اجتماع شعبي في مقاطعة خيبر القبلية المحاذية للحدود الأفغانية يوم الجمعة الماضي، أن "حل المعضلة الأفغانية يكمن في تشكيل حكومة مؤقتة لتشرف على إجراء انتخابات نزيهة، وأن يصل أطراف الصراع الأفغاني إلى حل للمعضلة". وأثارت تصريحات خان استياء الحكومة الأفغانية، إذ كتب نائب المتحدث باسم الرئاسة الأفغانية صميم عارف، في تغريدة، أن "موقف خان تدخل في شؤون أفغانستان وانتهاك لسيادة بلادنا".

وكان خان أكد، في 5 مارس/آذار في لقاء شعبي في مقاطعة باجور شمال غربي باكستان، وفي 25 من الشهر ذاته في حديث مع الصحافيين في إسلام أباد، أن "الحل الوحيد للمعضلة الأفغانية هو تشكيل حكومة مؤقتة"، متهماً الحكومة الأفغانية بعرقلة عملية المصالحة. وقال خان للصحافيين إن "نجاح عملية السلام الأفغانية ممكن، شرط تشكيل حكومة مؤقتة وبصورة نزيهة، لتقوم بإجراء انتخابات رئاسية في أفغانستان"، مشيراً إلى إلغائه اجتماعاً مع ممثلي "طالبان" استجابة لاعتراض كابول. ورداً على موقف خان، استدعت الحكومة الأفغانية سفيرها في باكستان شكر الله عاطف مشعل، كما استدعت وزارة الخارجية الأفغانية نائب السفير الباكستاني لدى كابول، وسلمته رسالة احتجاج على تصريحات خان، مؤكدة أن "التصريحات تمثل تدخلاً سافراً في شؤون أفغانستان لن تقبل به، وهي تدينه". كما أشعلت تصريحات خان موجة من الانتقادات السياسية. وانتقد أتمر تصريحات خان، رغم تأكيده هو نفسه أن الحل الوحيد هو الحكومة المؤقتة، فيما وصف المرشح لمنصب النائب الأول للرئيس أشرف غني في الانتخابات الرئاسية ورئيس الاستخبارات السابق أمر الله صالح باكستان "بالأخ العدو"، معتبراً، في تصريح صحافي، أن "باكستان خائفة من تنفيذ القانون والدستور في بلادنا، كما أنها خائفة من ترسيخ أنظمة ديمقراطية، وبالتالي هي تروج لحكومة مؤقتة، خارجة عن الدستور كي تحافظ على مصالحها".

كما أثار موقف عمران خان استياء حلفاء باكستان، إذ قال السفير الأميركي لدى كابول جانس باس، في تغريدة، إن "أصول لعبة الكريكت لا تتماشى مع ميدان السياسة"، في إشارة إلى كون خان نجم لعبة كريكت سابقا. وقال المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان زلماي خليل زاد "تحدثنا مع باكستان بألا تتدخل في شؤون أفغانستان، وأن الأفغان هم من يقررون مستقبلهم". واعتبر الممثل المدني الأعلى لحلف شمال الأطلسي في كابول نيكولاس كاي، في تصريح صحافي، أن "فكرة الحكومة المؤقتة في أفغانستان انتهت، والخيار الأول الآن هو إجراء الانتخابات"، مشدداً على أن "كل التكهنات بهذا الخصوص غير دقيقة ولا أساس لها، وأن كل الاهتمامات منصبة حالياً على إجراء انتخابات رئاسية نزيهة في أفغانستان". وكان خليل زاد أكد سابقاً أنه يفضل تأجيل الانتخابات الرئاسية بانتظار معرفة مصير مساعي الحوار مع طالبان"، لكنه اعتبر، خلال زيارته كابول قبل أيام، أن إجراء الانتخابات خيار مفضل، وأنه لا يتوقع الوصول إلى حل مع "طالبان" قبل إجراء الانتخابات، وبالتالي فالأحرى المضي قدماً في إجرائها. وتكشف كل التصريحات الداخلية أن خيار الحكومة المؤقتة ليس مرغوباً به لدى الأفغان، مع أنه مطلب بعض السياسيين حالياً. كما استطاعت السلطات الأفغانية أن تقنع حلفاءها، وعلى رأسهم الإدارة الأميركية، أن الحل ليس الحكومة المؤقتة، بل المضي قدماً في إجراء الانتخابات الرئاسية. من هنا، فإن موقف باكستان ليس إلا ضربة للعلاقات بين الدولتين، لذا واجه انتقادات لاذعة داخل أفغانستان وخارجها.

المساهمون