أصوليتان.. "الإخوان" والسيسي

25 اغسطس 2015
الصورة

السيسي وشعار جماعة الإخوان الملسمين

هناك من يدمن العيش في مظلومية، وهناك من يبذل مجهوداً ضخما لصناعة مظلومية، أو صناعة كذبة، أو صناعة عدو وهمي متآمر، ثم يبذل مجهوداً أضخم في إقناع الأتباع/ الجمهور بذلك، لكنه لكي يستطيع إقناع الأتباع والجمهور بذلك، لا بد، أولاً، أن يصدق الكذبة، أو المظلومية التي صنعها.
ومن اللافت للنظر دائما اشتراك الأنظمة، أو الأفكار السلطوية أو الفاشية أو الشمولية أو الأصولية، في استغلال المظلوميات أو توظيفها، أو استغلال وجود عدو/ تهديد فعلي، أو وهمي، من أجل تبرير الفشل، أو الإخفاقات المتكررة. ولذلك، دائما تتشابه نظريات المؤامرة، وإن اختلف السياق أو العدو أو التهديد.
فهزيمة 1967 مثلا ليست بسبب الفساد والمحسوبية في الجيش المصري، ولا بسبب انغماس الضباط في الملذات والشهوات والثورات، ولا بسبب تحول ضباط الجيش إلى طبقة حاكمة لها امتيازات خاصة، وفوق أي حساب، ولا بسبب انشغال العسكر بالسياسة، ولا بسبب إلغاء الديمقراطية، ولا بسبب تغييب الوعي، إنما كانت بسبب تآمر العالم كله على الزعيم الخالد المفدّى.
وكذلك ثورة 25 يناير، لم تكن بسبب سوء الأحوال الاقتصادية، ولا بسبب الفقر والبطالة، ولا بسبب الفساد ولا الاستبداد ولا بسبب غياب العدالة، بل هي مؤامرة كبرى على مصر والمنطقة، وكذلك الحال مع بن علي والقذافي وبشار الأسد. تآمر العالم كله على هؤلاء الملائكة الأبرياء.
وكذلك يزعمون أن سبب الحالة، التي تزداد سوءاً في مصر، المؤامرة الكونية ضد عبد الفتاح السيسي، وليست بسبب استمرار الفساد والاستبداد، ولا بسبب غياب الرؤية، ولا غياب التخطيط السليم، ولا بسبب غياب العدالة، ولا بسبب تخلف منظومة التعليم والتخلف في كل شيء، ولا بسبب غياب الرغبة في الإصلاح من الأساس.
وعلى الرغم من أن حكم السيسي هو الأكثر فساداً واستبداداً ودموية وفاشية وديماغوجية، ربما في تاريخ مصر كلها، إلا أن هناك مشتركا بين أنصار السيسي وأنصار الإخوان المسلمين، على الرغم من اختلاف المشروعين وتضادهما، وهذا طبيعي، فكلا المنهجين، أو المشروعين، ينتميان إلى الفكر الأصولي، فإذا كان الإخوان يمثلون أصولية دينية، فإن السيسي يمثل الأصولية السلطوية/ العسكرية. ولذلك، ستجد دائما هناك ما هو مشترك بينهما، مثل ادعاء الصواب المطلق أو امتلاك الحقيقة المطلقة، وكذلك الاعتماد على نظرية المؤامرة، لتبرير الفشل، أو إدمان ادعاء المظلومية.
فعند الإخوان، لن تجد أي اعتراف بأية أخطاء في فترة حكم محمد مرسي، أدت إلى الغضب الشعبي وفقدان الثقة بهم، حتى من عاصري الليمون الذين كانوا سبباً رئيسياً ومباشراً لوصول مرسي إلى السلطة. نعم، كانت هناك مؤامرات وعدم تعاون من البيروقراطية والدولة العميقة. ولكن، كان هناك غضب شعبي حقيقي، أيضاً، بسبب عناد "الإخوان"، وبسبب القرارات الحمقاء التي بدأت منذ الإعلان الدستوري.

حتى الآن، لا يزال في خطاب "الإخوان" تناقض كبير بين نداءات "إيد واحدة"، وضرورة التعاون ضد الحكم العسكري الاستبدادي من جهة والخطاب العنصري الطائفي الذي يلصق كل الشرور بالليبراليين والعلمانيين، وحديث المؤامرات الكونية ضد الإسلام و"الإخوان" من جهة أخرى.
تناقض بين ادعاء الديمقراطية وتجاهل أن الديمقراطية تعني قبول الآخر، وتعني التعددية، وليس استخدام الصندوق لفرض فكر ما، أو أنموذج حكم على الآخرين، فالشباب والليبراليون والعلمانيون الذين عصروا الليمون في 2012، وساندوا مرسي ضد أحمد شفيق، لم يهدفوا في ذلك إلى إقامة نظام الحكم الذي يطلق عليه الخلافة.
من حق شباب الثورة التساؤل والنقاش المطول حول "على أي أساس" يكون التعاون؟ ومن أجل ماذا؟ هل من أجل ثورة إسلامية؟ هل من أجل إقامة الخلافة؟ هل من أجل المشروع الإسلامي؟ وماذا عن الذي يختلف مع رؤيتكم ومشروعكم؟ هل نعود للإقصاء والتسفيه والتكفير مرة أخرى؟ فمن حق شباب الثورة، أو الشباب الليبرالي أو اليساري الرافض للحكم العسكري أن يتردد ألف مرة قبل أي حديث عن تعاون جديد، وأن يطلب المراجعات للنظرية والتطبيق، وكذلك الاعتذار عن أخطاء "الإخوان" في أثناء الثورة وما بعدها، حتى 30 يونيو/حزيران 2013.
أخطاء وقع فيها "الإخوان" وما يزالون يرفضون الاعتراف بها، أو الاعتذار الصادق عنها، بداية من التفاوض مع عمر سليمان في أثناء الثورة على حساب الثورة، ثم التحالف مع المجلس العسكري، ثم مساندته ضد شباب الثورة، ثم استعجال المكاسب على حساب الآخرين، والمنافسة على كل مقاعد البرلمان في 2011، ثم استمرار دعم العسكر في مواجهة الثورة، والحديث عن شرعية البرلمان في مواجهة الميدان، ثم العودة إلى الحديث عن شرعية الميدان، مرة أخرى، وحديث "إيد واحدة" عند الصدام مع العسكر، وكذلك الفصل بين الجماعة الدعوية والحزب السياسي والتحكم في البرلمان ثم الرئاسة من خلال مكتب الإرشاد، ثم الخطأ القاتل بالإعلان الدستوري في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، والعداء مع الجميع، وفي مقدمتهم عاصرو الليمون، ثم إضاعة الفرص، الواحدة تلو الأخرى، انتهاء بإضاعة فرصة 30 يونيو التي كان ممكناً أن تجنب "الإخوان"، ومصر عموماً، هذا المصير. وكان في الوسع تجنب كل هذا الدم، لو كان هناك بعض المرونة وبعض القراءة الواقعية للمشهد.
وها هي الاتهامات والسباب البذيء ينهال على أي صوت من شباب الثورة، يتحدث عن أخطاء "الإخوان" وضرورة المراجعات، حتى لو فضّل هذا الصوت أن يدخل السجن، على أن ينافق دموية العسكر أو يبررها.
نعم، اكتشفنا بعد الثورة أن هناك خلافاً جذريّاً عميقاً بين الطرح، أو النظام الذي يطرحه الإسلام السياسي، حتى الوسطي منه، وكل أطروحات ونماذج وأيديولوجيات الحداثة، أو ما بعد نظرية العقد الاجتماعي. والسؤال الآن هو إن كانت هناك فرصة لشيء ما مستقبلاً، فكيف نستطيع أن نضع قواعد العيش معاً رغم الخلاف؟