أصدقاء لغتنا: مع ظافر جيلان

25 اغسطس 2020
الصورة
ظافر جيلان (العربي الجديد)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية عند مترجمي الأدب العربي إلى اللغات المختلفة، وحكاية صداقتهم مع اللغة العربية. "وظيفتي كمترجم ليست إعادة بناء برج بابل، ولكن وصف الذوق الذي حصلت عليه من حدائق بابل المعلّقة"، يقول المترجم التركي لـ "العربي الجديد".


■ متى وكيف بدأت علاقتك باللغة العربية؟
- بصراحة، لم يكن لديَّ أيُّ اتصال بالعربية حتى دخلتُ قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة في عام 2004. بفضل اهتمامي الخاص بالكتب وعملي في محلّ لبيع الكتب خلال سنوات دراستي، اكتشفتُ كتباً عربية مترجَمة إلى اللغة التركية. قبل أن أتعلّم العربية بروحها الكاملة، التقيتُ وأحببت كتّابها وشعراءها؛ مثل نجيب محفوظ وجمال الغيطاني ونوال السعداوي ومحمود درويش وغسّان كنفاني وأدونيس والطيّب صالح. أعتقد أن هذا التعرُّف والحبّ زادا من اهتمامي بها. ومع ذلك، فإن خمسةً وتسعين في المائة من الترجمات التي قرأتُها كانت إلى التركية من الإنكليزية أو الفرنسية. على الرغم من أنّني أستطيع أن أرى صدق ومستوى وقيمة الأدب العربي الحديث، كنتُ أشعر بأن شيئاً ما كان دائماً غير مكتمل في مكان ما.


■ ما هو أول كتاب ترجمته وكيف جرى تلقّيه؟
- أنجزتُ ترجمات لعددٍ من الكتّاب والشعراء؛ مثل إبراهيم أصلان وأحمد فؤاد نجم ونجوان درويش، نُشرت في مجلّات أدبية. أمّا كتابي الأوّل في الترجمة فكان مختاراتٍ من مجموعات قصصية لبهاء طاهر نشرتها "دار كرميزي" عام 2017. التقيتُ بالكاتب المصري أثناء دراستي الماجستير، وفي إحدى المحاضرات درستُ ونقدت قصّته "بالأمس حلمت بك". لقد أحببت الصراع الزمكاني في القصّة لدرجة أنّني أكملتُ قراءة جميع قصصه ورواياته بعد ذلك. عندما قابلتُه في منزله بالقاهرة عام 2015، شعرت بالرهبة أمام هذا الكاتب الكبير.

ميّزة الأدب العربي هي بنيته العالمية متعددة الثقافات


■ ما آخر إصداراتك المترجمة من العربية وما هو إصدارك القادم؟
- آخر أعمالي المنشورة هو بعض الترجمات التي أنجزتُها لمجلّات أدبية أيضاً؛ من بينها مقال حول "شعر اللاجئين" مع قصيدة لكلّ من سركون بولص وحسن بلاسم وجهان بسيسو، وأيضاً مقال لعلاء الأسواني بعنوان "لماذا لا يثور المصريون؟"، وقصّة لهشام البستاني "كوابيس المدينة"، وقصّتان لياسين عدنان هما: "من يصدّق الرسائل؟" و"فيلم حلمي طويل". أمّا ترجمتي الأخيرة التي أتوقّع نشرها في كتابٍ فهي رواية "النجدي" للكاتب الكويتي طالب الرفاعي. وهذه أيضاً هي التجربة الأولى بالنسبة إليَّ في الرواية. شعرتُ بمتعة كبيرة وتعلّمت الكثير خلال ترجمة هذا العمل، وآمل أن يحصل القرّاء الأتراك على نفس المتعة.


■ ما العقبات التي تواجهك كمترجم من اللغة العربية؟
- الصعوبات التي يواجهها المترجم لا تأتي من اللغة إنما من ثقافة المصدر. بعد كل شيء، يبدو فعل الترجمة ليس فقط لنقل اللغة ولكن أيضاً نقل الثقافة. كمترجم للغة العربية، أنا أجد نفسي أكثر درايةً بثقافة مصر ودول بلاد الشام. ومع ذلك، فأنا بعيد عن ثقافة دول الخليج ودول أخرى مثل المغرب وتونس والجزائر. لذا، على سبيل المثال، في ترجمة رواية طالب الرفاعي "النجدي"، التي سيتم نشرها قريباً، واجهتُ صعوبات كثيرة. لم أقم فقط بالبحث في الثقافة البحرية لدول الخليج، بل ابتلعتُ مسرداً كاملاً للمصطلحات البحرية. لذلك لقد تعلّمت الكثير بالفعل. لكنّني متأكّد من أنه عندما تُقرأ الرواية في بلد عربي خارج دول الخليج، سيتعلّم القرّاء العرب الكثير مثلي. في النهاية، وظيفتي كمترجم ليست إعادة بناء برج بابل، ولكن وصف الذوق الذي حصلت عليه من حدائق بابل المعلّقة إلى ثقافتي.

التغلّب على التعصّب كان بفضل الترجمات الجيّدة


■ نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معينين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظر إلى هذا الأمر وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟
- كان هناك تعصّب ضدَّ الأدب العربي قبل عشرة أو خمسة عشر عاماً، بين القرّاء الأتراك وفي المجتمع الأدبي في تركيا. لم يكن ذلك لأسباب سياسية وتاريخية فقط، لكن الترجمة السيئة كانت لها حصّة كبيرة. لكني أعتقد أن هذه النظرات السلبية تمّ تجاوزُها الآن. عندما ننظر اليوم إلى ترجمات كتّاب عرب مثل محمود درويش، وأدونيس، وصنع الله إبراهيم، وبهاء طاهر، ورضوى عاشور، ونهاد سيريس، وعلاء الأسواني إلخ، نرى أن هذه الترجمات منشورة من قبل دور النشر الكبرى في تركيا. أعتقد أن الفضل الأكبر في التغلّب على التعصّب يعود إلى الترجمات الجيّدة. ولا ينبغي أن أعبر هنا دون ذكر اسم محمد حقي صوتشين، فالترجمات التي قام بها من الأدب العربي تعتبر علامات بارزة في هذه الاستراحة. لذلك، عندما نؤدي واجبنا كمترجمين بشكل صحيح، فلن يتردّد القرّاء والنقّاد في الإشادة به.


■ هل هناك تعاون بينك وبين مؤسسات في العالم العربي أو بين أفراد وما شكل التعاون الذي تتطلع إليه؟
- بالتأكيد، فإنّ مؤسّستي الوحيدة التي تربطني بها علاقة مهمّة ومتينة وقيّمة هي زوجتي. هي مصرية وعلى العكس مني هي خبيرة في اللغة التركية، فهي متخرّجة من قسم اللغات الشرقية بجامعة القاهرة. إذا قلت إن منزلنا هو نوع من مكتب ترجمة، فسيكون ذلك مناسبًا. إنها دائماً أوّل محرّرة للترجمات التي أقوم بها، وأنا أوّل محرّر لترجماتها. بصرف النظر عن هذا، على الرغم من عدم التعاون الرسمي، فهناك بالطبع مؤسّسات أتابعها وأحياناً أتواصل معها.


■ ما هي المزايا الأساسية للأدب العربي ولماذا من المهم أن يصل إلى العالم؟
- في رأيي، فإنّ أهم ميزة في الأدب العربي هي بنيته العالمية التي تحتوي على العديد من الثقافات. بِلغة واحدة فقط من الممكن أن تدخل من باب اثنتين وعشرين دولة مختلفة ومئات الثقافات. ومع ذلك، الرحلات الثقافية هي دائماً معقّدة وخطيرة. كقارئ، فإن ضمانك الوحيد في هذه الرحلات هو المؤلّف. كلّما أتقن الكاتبُ الثقافةَ التي يعيش فيها، كان من الممكن نقل روايته إلى العالمية. الأدب العربي الحديث لا يزال يحتوي على أسرار "ألف ليلة وليلة". أعتقد أن هذه الأسرار، بعيداً عن نظرة المستشرقين، ستقدّم أعمالاً أصيلة تماماً للأدب العالمي.


بطاقة 
Zafer ceylan، مترجم وأكاديمي تركي من مواليد إسطنبول عام 1985. تخرّج بشهادة ليسانس من كلية اللغات والتاريخ والجغرافيا بجامعة أنقرة، ثمّ حاز ماجستير ودكتوراه من الجامعة نفسها سنتَي 2011 و2017. ترجم مختاراتٍ قصصية لبهاء طاهر بعنوان "لم أعرف أنّ الطواويس تطير" (2017)، كما ألّف كتاباً بعنوان "التمرُّد الأسطوري في الشعر العربي الحديث - حركة الشعر التموّزي"، وله ترجمات عديدة لكتّاب عرب في مجلّات أدبية تركية. 

المساهمون