أزمة مع الشرعية في كل مكان

13 سبتمبر 2019
الصورة
لا أحد يعلم بالضبط ما هي مشكلة دول حصار قطر مع الكيانات الشرعية في كل مكان، ولماذا إصرارها العجيب على الظهور دولا مارقة، تدعم كياناتٍ موازيةً غير شرعية، ولا تحظى بأي اعتراف دولي لأفعالها وتصرّفاتها؟ فلم تكن محاربة الإمارات الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا في اليمن مفاجأةً، أو خروجا على سياستها التي تتبعها منذ سنوات، فهي تحارب أيضا حكومة الوفاق الوطني (المعترف بها دوليا أيضا) في ليبيا، بالتعاون مع السعودية، عبر دعم خليفة حفتر وإطلاق مسمى "الجيش الوطني الليبي" على مليشياته، كما تفتعل المشكلات مع الحكومة الصومالية الشرعية عبر دعمها حكومة أرض الصومال غير المعترف بها دوليا، وإقامة قاعدة عسكرية بها، وكذلك دعم إقليم بونت لاند الذي يحاول الانفصال عن الصومال. أما النجاح الأبرز للإمارات ومعها السعودية، فتمثل في دعم الانقلاب على الشرعية في مصر في 2013. وحتى عندما قرّرت الإمارات دعم حكومة السودان بعد خلع عمر البشير من السلطة، فإنها ركزت دعمها على قوات الدعم السريع، بقيادة رجلها حميدتي، وليس قوات الجيش الرسمية، وهي قواتٌ قادت مجزرة فض الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم في يونيو/ حزيران الماضي. 
بالإضافة إلى ذلك، تنتهك الإمارات القرارات الدولية فيما يتعلق بحظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا عبر شحن الأسلحة والذخائر والمعدّات وتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي إلى قوات حفتر، كما أثبت تقرير لفريق الخبراء التابع للجنة العقوبات المفروضة من مجلس الأمن الدولي على الصومال وإريتريا، عن انتهاك الإمارات قرار فرض حظر تسليح على البلدين بوسائل عدة. وكشف تقرير أممي أيضا أن الإمارات تتعاون مع إيران لخرق حظر استيراد الفحم الصومالي الذي يموّل حركة الشباب المجاهدين في الصومال، المصنّفة حركة إرهابية، عبر تزوير وثائق تدّعي أن شحنات الفحم صادرة من جيبوتي.
أنشأت الإمارات في اليمن مليشيات محلية موازية، لا تتبع القوات الشرعية، ولا تعترف بها، 
ودرّبتها وسلحتها، وأطلقت عليها مسمياتٍ مختلفة، مثل الحزام الأمني والنخبة الشبوانية والنخبة الحضرمية وألوية العمالقة وغيرها من مسميات بلهاء، وهي مليشياتٌ يتزعمها زعماء عصابات وشخصيات مدرجة على قوائم الإرهاب الدولي، مثل هاني بن بريك الذي سجن بتهمة صناعة السيارات المفخّخة مرات، وعبد اللطيف السيد، المرتبط بتنظيم القاعدة، والعقيد عادل عبده فارع الذبحاني، المعروف بأبي العباس، والمرتبط بتنظيم القاعدة أيضا، والذي تدعم الإمارات مليشياته التي تسمّى باسمه، وغيرهم.
وقد أثبتت وسائل إعلام دولية الدعم الإماراتي للتنظيمات المصنفة إرهابية، مثل صحيفة إندبندنت البريطانية التي أكدت، في أغسطس/ آب 2018، تجنيد الإمارات مقاتلين سابقين من "القاعدة" في صفوف قوات التحالف، مستندةً إلى اعترافات ضباط إماراتيين يقاتلون في حرب اليمن. وكشف تحقيق لوكالة أسوشييتد برس عن إبرام قوات التحالف السعودي الإماراتي صفقات سرية مع مقاتلي "القاعدة"، ليغادروا المدن التي كانوا قد سيطروا عليهم، مع السماح لهم بالانسحاب مع أسلحتهم وأموالهم.
وقد وصلت هذه السياسة الهزلية إلى مداها الأقصى، بعد استهداف الطيران الإماراتي قوات الحكومة الشرعية، واتهام هذه القوات بأنها إرهابية، ثم الهجوم المباشر والعلني على رمز هذه الشرعية، وهو الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، على الرغم من أن وجود الإمارات على أرض اليمن جاء، في البداية، بهدف مناصرة هذه الشرعية، وإعادتها إلى صنعاء، عقب الانقلاب الذي قادته جماعة الحوثي. وقد اعترف بيان الخارجية الإماراتية بتنفيذ غاراتٍ على قوات الجيش اليمني الشرعية، لكنه وصف هذه القوات بأنها إرهابية، أي أن الحكومة اليمنية التي تزعم الإمارات أنها تدخلت لصالحها إرهابية. ووفقا لهذا الكلام الهزلي، تكون السعودية أيضا داعما لكيان إرهابي.
النتيجة الطبيعية لأفعال كهذه هي عدم الحصول على أي اعترافٍ أو تأييد دولي، فالعالم يتعامل مع حفتر باعتباره زعيما لمليشيا محلية، وليس قائدا عسكريا، ولم يحظ قصف الإمارات قوات 
الجيش اليمني بأي تأييد دولي. وحتى في حالة حصار قطر، لم يعترف العالم بمزاعم قناتي العربية وسكاي نيوز عن تصريحات مفبركة نشرت على لسان أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إذ اقتنع العالم بأن وكالة الأنباء القطرية تعرضت للقرصنة، وهو ما أثبتته الدوحة عبر استعانتها بفريق تحقيق أميركي لضمان المصداقية والشفافية أمام العالم. ولذلك، لا علاقة لقناة سكاي نيوز العربية بالقناة الأم في بريطانيا التي تتسم بالمهنية، عكس مثيلتها العربية التي تتفنن في الكذب والتزوير والتلفيق.
تبدو إذن سياسة الإمارات واضحةً، إذ تعتمد على دفع الأموال الطائلة، وإبرام صفقات مع الحكومات الغربية، في مقابل أن تسمح لها الأخيرة بالعبث في المنطقة كما يحلو لها، وتشكيلها وفقا لرغباتها، حتى لو كانت سياسةً تعتمد على ضرب الشرعية في كل مكان. وعلى الرغم من أن تلك السياسة لا تحصل على أي اعتراف دولي في الغرب، إلا أن الدول الغربية تصمت على تلك السياسة، إذ إنها حصلت على ثمن هذا الصمت مسبقا. وكأن المعادلة بين الطرفين: خذوا الأموال كما يحلو لكم، ودعونا نتعامل مع بعضنا في الشرق الأوسط كما يحلو لنا من دون أن تتدخلوا. أما السعودية، فتبدو كأنها الشريك الأصغر في تلك السياسة، إذ انضمت أخيرا إلى جهود دعم حفتر الذي تدعمه الإمارات منذ سنوات، كما تبدو عاجزةً تماما أمام الانقلاب الذي يقوده رجال الإمارات في اليمن ضد الرئيس الذي تستضيفه لديها.