أبو سلمون يتبرع بابنه لصاحب المبقرة

15 اغسطس 2020

في سهرة الإمتاع والمؤانسة التي أعقبت تَعَرُّض الفتى سلمون لحادث أليم أثناء عمله في مبقرة "أبو عمشو"، روى لنا الأستاذ كمال حكاية ممتعة، فقال إن لفيفاً من أهل البلدة اجتمعوا في منزل أبي سلمون لتهنئته بسلامة ابنه الوحيد الذي تعرض للنطح بقرون الثيران في المبقرة، ونجا منها، والحمد لله، بأعجوبة.

كان الواحد من المهنئين يدخل حاملاً في يده كيساً يحتوي على صندوق بسكويت أو شوكولاه، يرميه جانباً ويأخذ أبا سلمون مباوسة، وأبو سلمون، بدوره، يحاول أن يتجنب القسم الأكبر من البوسات لأن جسده يقشعر من التبويس، ولا سيما حينما يصدر عنه صوت زيق زيق، وكل داخل إلى المكان يقول، بعد التبويس:

- يهنيك بسلامة الشاب يا أبو سلمون.

فيرد أبو سلمون، دون قابلية، وبجملة مقطوشة: الله يهَـ...

وكانت المفاجأة الكبرى هي دخول صاحب المبقرة "أبو عمشو" الذي يمشي على العريض، أو كما يقولون، يمشي بطريقة "خصلة وعنقود والباقي فراطة".. وبدلاً من أن يقول السلام عليكم يقول (سلامُ عليكُن).. أبو عمشو، وبعد أن مجق أبا سلمون بوستين أصعب من كؤوس الحجامة، جلس على الأريكة العتيقة الموجودة في المكان فسُمع لها أنين تحت ثقل بدنه، وأخرج من جيبه مغلفاً مليئاً بالنقود، وقذفه إلى جحر أبي سلمون وقال له:

- خود يو خاي، هدول هدية لإبن أخونا القبضاي سلمون الله يشفيه.

ابتسم أبو سلمون رغماً عنه وقال: قبضاي؟ قصدك تقول إبني سلمون قبضاي؟

قال أبو عمشو بخشونة زائدة: معلوم.. قبضاي ومعدل وشيخ شباب كمان. علي الطلاق لما كان ينطح التور كنا نسمع صوت النطحة من مكتب الفشفاشة.

قال أحد الرجال مستفهماً: وأشو هادا مكتب الفشفاشة بلا مؤاخذة؟

أبو عمشو: يا عين عمك، أنا مقسّم المبقرة لأربع أقسام. أول شي عندنا مكتب الموزات والمتلة والكستليتة، هادا منبيع فيه لحم العجل بأنواعه، وتاني شي مكتب الفشفاشة، هادا لبيع المعاليق والكبد والكلاوي والقلب، وتالت شي مكتب الجلود والدَبَّاكات والحَوَس، ورابع شي مكتب المصارين والضرّيطات..

وابتسم أبو عمشو ابتسامة الواثق الذي يمشي ملكاً وقال:

- أي لكان؟ يا عين عمك نحن شغلنا منظم!

قال أبو سلمون: الله يقويك خاي أبو عمشو. قلت لي كنت تسمع صوت نطحة التور لسلمون من مكتب الفشفاشة؟..

ضحك أبو عمشو، فأصبح صوت صدره أثناء الضحك أكثر خريراً، وقال:

- إنته يا خاي يا أبو سلمون فهمتني غلط. إبنك هوّي اللي كان عم ينطحه للتور! علي الطلاق أنا بحياتي ما مر علي أرجل من هالصبي. بتعرف لو كان علقان مع تور واحد؟ كان بيغلبُه، بس التيران تكاتروا عليه، ويا خيو على قولة المتل: الكترة بتغلب الشجاعة!

هز أبو سلمون رأسه، وقال: بتعرف يا..

 

قال للحاضرين: أنا كنت بعرف إنه بس البشر في بيناتهم شجعان وجبناء، يا سيدي التيران نفس الشي.. كلهم جبناء!

 

وسكت. فقال له أبو عمشو: تفضل خاي أبو سلمون. أشو كنت بدك تقول؟

أبو سلمون: أنا بكرة بدي روح ع إدلب وطلع قرض من بنك التسليف الشعبي. بدي إشتري منك كل التيران اللي تشاجروا مع إبني. وبعدما إشتريهم بدي أشوف قصاب شاطر وقلبُه قوي، وأخليه يدبحهن كلهن بنفس الوقت، وبدي وزع الموزات تبعهن والكستليتات والفشفاشة والمصارين ع الناس المحتاجين. والله لإحرق دمهن متلما حرقوا دمي!

استغرب أبو عمشو والحاضرون هذا الكلام. وقال أحد الحاضرين:

- قصدك يا عمي أبو سلمون حرقوا دمك لإنهم تكاتروا على إبنك ونطحوه وسببوا له أذى؟

أبو سلمون: لا عمي لا، إنته كمان فهمتني غلط. أنا كان قصدي بدي إدبحهم لأنهم أندال حاشاك، وجبناء، وضعاف، بعمرك سمعت شي خمس تيران بيجتمعوا على ولد عمره تلطعش سنة وكله على بعضه بقد الفرتوكة وبيخلوه عايش؟ يا تيران النحس، كلفتوا خاطركن وضربتوه لإبني، مو عيب عليكن ما تموتوه ع الخالص؟

وقال للحاضرين: أنا كنت بعرف إنه بس البشر في بيناتهم شجعان وجبناء، يا سيدي التيران نفس الشي.. كلهم جبناء!

ساد الوجوم على الحاضرين في سهرة الإمتاع والمؤانسة، وقال أبو محمد:

- أكيد ما في أب بيريد ابنه يموت أو يلحق فيه ضرر، بس هادا المسكين أبو سلمون بيحكي هالحكي من غيظه.

أبو جهاد: إذا بيموت سلمون أكيد بيزعل أبوه، بس الحزن مع الأيام بينقص، والإنسان عنده نعمة اسمها النسيان، المهم يخلص من مشاكل هالواطي سلمون.

أم الجود: أي وأشو صار بعدين؟

كمال: أبو عمشو عمل مفاجأة تانية للحاضرين. قال لأبو سلمون بكل هدوء:

- خيو، إنته ليش عم تدعي على إبنك وبتتمنى له الموت؟ إذا حابب تخلص منه ومن مشاكله عطيني ياه، أنا بعطيه غرفة عندي، في المبقرة.. أصلا عندي غرفة فاضية جنب مكتب المصارين والضريطات. بفرش له ياها وبيقعد فيها. ولد قبضاي متل سلمون ضيعانه يموت أو يتآذى.

قال أبو سلمون: أنا ما بملك من الدنيا غير بيت السكن، هادا اللي نحن هلق قاعدين فيه. إذا بتاخد سلمون وبتتعهد ما تجيني من وراه مشاكل مستعد أروح معك على إدلب، على دائرة السجل العقاري، وبفرغ لك هالبيت على إسمك.

قال أحد الحضور: وإنته يا أبو سلمون، وين بدك تسكن؟

قال أبو سلمون: لما بتروح من هون على قرية "باتنته"، على إيدك اليسار في مغارة تحت الأرض، في الشتي بتتجمع فيها المياه وفيها مطرح ناشف.. هاي المغارة إسمها مغارة "السبيل"، مهجورة وتعبانة، وفي إشاعة إنها مسكونة بالجان. أنا مستعد أتنازل عن بيتي للأخ أبو عمشو مقابل إنه ياخد معه إبني سلمون وبسكن في مغارة السبيل.

ضحك الحاضرون في سهرة الإمتاع والمؤانسة. وقالت حنان:

- واضح إنه أبو سلمون متألم كتير من سلمون.

كمال: ومع ذلك هادا السيناريو ما نجح. لأنه سلمون قبلما تنفض الجلسة فاجأ الكل بموقف غريب. طلع من غرفته وهوي ملفوف بقوالب الجبصين والشاش واللزاق، ووقف في نص المجلس وقال:

- بدي إتشكر العم أبو عمشو على مشاعره الطيبة، وبدي أقول لوالدي المحترم (إنته غلطان كتير يا ياب. أنا ما بتركك ولو على جثتي)!