"فالقاضي تبع البتاع"!

"فالقاضي تبع البتاع"!

01 ديسمبر 2014

من تظاهرات الاحتجاج على تبرئة مبارك (29 نوفمبر/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -

كان الحكم ببراءة القاتل، حسني مبارك، والقاتل، حبيب العادلي، ومعاونيه القتلة، فاضحاً ومخزياً ومحزناً، لكنه لم يكن أبداً وليد يوم نطق القاضي الظالم به.

هذا حكم صدر قبل النطق به بفترة طويلة، ولم يكن ممكناً أن يصدر، إلا بعد أن مهّد لصدوره عبد الفتاح السيسي ورجال شرطته وقضائه وأذرعه الإعلامية، لينقذ نفسه من العقاب مستقبلاً على مسؤوليته عن مذابح ما بعد خطاب التفويض الذي صار بعده حاكماً فعلياً للبلاد، لأن أي حكم قضائي يقوم بتجريم المسؤولية السياسية عن القتل، كان سيتحول إلى سابقة قضائية، ستطال السيسي، إن عاجلا أم آجلا. ولذلك، مثلاً، يتم النفخ فقط في قضية التخابر الفشنك الخاصة بمحمد مرسي، ولا تتم محاكمته بجدية عن مسؤوليته السياسية، هو ووزير داخليته، قاتل كل العصور عن قتل مئات المدنيين، منهم 172 قتيلا في فعاليات سياسية، (طبقا لتقارير موقع ويكي ثورة التي وثقت جرائم مبارك وطنطاوي ومرسي والسيسي).

صدر حكم براءة القاتل مبارك وأعوانه، منذ أن استسهل كثيرون اتهام الذين استشهدوا أمام أقسام الشرطة ومديريات الأمن بأنهم بلطجية، يستحقون القتل، لمهاجمتهم منشآت حكومية، كأنها كانت منشآت تنموية أو ترفيهية، ولم تكن سلخانات قمع وقتل، ومنذ أن بدأت بعض الوجوه الإعلامية "الثورية" ترديد نغمة اتهام "الإخوان" و"حماس" وحزب الله بحرق الأقسام وفتح السجون، ليتم بعدها "تعميم" أكاذيب المؤامرة وحروب الجيل الرابع والتمويل الأجنبي، لتصبح الرواية المعتمدة شعبياً بفعل الزن على الودان. ولذلك، لم يكن غريباً ألا تستند المحكمة، من بين كل كتاب مصر وإعلامييها، إلا على شهادة شاهد الزور، الأستاذ إبراهيم عيسى، الذي كان أول كاتب ثوري يتبنى اتهامات الداخلية للإخوان بحرق الأقسام، وقد سبق أن نشرت تفاصيل أقواله التي سبق أن أدلى بها أمام النائب العام، متهماً الشرطة بقتل المتظاهرين، في مقال بعنوان (من أقوالكم سلط عليكم)، ثم غيّرها أمام المحكمة، في شهادة اعتبر القاضي، في حيثيات حكمه المسيسة الكاذبة، أنها كانت حاسمةً في تأكيد براءة مبارك وأعوانه، لأنها تطابقت مع شهادات لمصلحة مبارك، أدلى بها عدد من رجال دولته الذين لهطوا من فساد عصره، حتى ورموا. 

للأسف، لم يعد مجدياً بعد هذا "الحكم العار" أن ندعو "يا خفي الألطاف، نجّنا مما نخاف"، فقد حدث ما كنا نخافه، وندعو الله أن يدفعه عنا، منذ مذبحة ماسبيرو، ومروراً بكل المذابح والانتهاكات، وحتى وصلنا إلى هذا الحكم المنحط الذي يتصور بعض البلهاء أنه سيحكم سيطرة القبضة العسكرية على البلاد، ولو عقلوا لأدركوا أنه يدشن بداية مخيفةً لمرحلة صراع مفتوح أكثر دموية، لأنه أعطى مشروعية لعنف الحل الفردي، بعد فشل نظام العدالة، ونزع ورقة التوت الأخيرة التي كانت تستر نظاماً قضائياً، يُنكّل بالمتظاهرين السلميين، ويبرّئ القتلة والفاسدين، وحين تتفاعل، في المستقبل القريب، نتائج هذا الحكم الظالم مع معطيات الواقع المشتعل، ستدرك الدولة الشائخة أن ما ظنته انتصاراً حاسماً لم يكن إلا تقنيناً لخراب شامل، للأسف الشديد.  

لا ألوم ثائراً من الذين ضحوا بأرواحهم، من أجل المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، إذا شعر باليأس أو الإحباط، ففي أيام كهذه، يدرك الإنسان معنى (قهر الرجال) الذي كنا نستعيذ بالله منه، من دون أن نختبره. بالطبع، يبدو اليأس منطقياً، خاصة أن لليأس سكرة تُعطّل العقل، وتُعمي القلب، لكنها حين تذهب سيكتشف كل "إنسان" له عقل وضمير أنه لن يستطيع التعايش مع الأكاذيب التي تمت صناعتها أمام الجميع، وسيرفض ذلك بطريقته، وحسب قدرته، وسيكون سلاح الذاكرة الأقوى والأهم في مواجهة دولةٍ أدمنت طعم الدم، حتى تنكشف حقيقة إفلاس الدولة الشائخة التي لن تظل قابلة للنهب والحلب الأبدي من تايكونات الجيش والشرطة والقضاء والإعلام، لتنتهي أكاذيب تلك الدولة مع نهايتها، وتبقى ذاكرة الثورة حاضرةً وملهمةً، لكل من يواصل خوض الطريق الطويل لتحقيق مطالبها. 

سأبدأ بنفسي لأدعوك، وآملا أن تدعو، بدورك، كل من تعرف إلى فعل كل ما هو مستطاع، ومهما كان بسيطاً، من أجل إعادة توثيق واستحضار ورواية وتخليد سِير الشهداء والمصابين، وعلى رأسهم الذين سقطوا أمام أقسام الشرطة ومديريات الأمن، فحتماً ستدرك مصر، كما أدركت دول كثيرة سبقتها، أنها لن تعرف استقراراً، ولا تقدماً، طالما ظلت تتهرب من تطبيق سياسات العدالة الانتقالية، وعندها ستكون ملفات الشهداء والمصابين والمفقودين حية، وحاضرةً للمثول أمام قضاة أحرار، ليسوا من صنف القضاة الذي وصفه عمنا نجم، بقوله "فالقاضي تبع البتاع، فالحق عالمقتول".

605C8788-2DB9-4AE6-9967-D0C9E0A2AD31
بلال فضل
كاتب وسيناريست من مصر؛ يدوّن الـ"كشكول" في "العربي الجديد"، يقول: في حياة كل منا كشكولٌ ما، به أفكار يظنها عميقة، وشخبطات لا يدرك قيمتها، وهزل في موضع الجد، وقصص يحب أن يشارك الآخرين فيها وأخرى يفضل إخفاءها، ومقولات يتمنى لو كان قد كتبها فيعيد كتابتها بخطه، وكلام عن أفلام، وتناتيش من كتب، ونغابيش في صحف قديمة، وأحلام متجددة قد تنقلب إلى كوابيس. أتمنى أن تجد بعض هذا في (الكشكول) وأن يكون بداية جديدة لي معك.