"صيف 85" للفرنسيّ فرنسوا أوزون: مُشاهدة مغلّفة بالتخمينات وتحفّزٍ حافل بالخيبات

05 اغسطس 2020
الصورة
فاليريا بروني تيديتشي: مبالغة في رسم الشخصية (Getty)

 

على شواطىء "نورماندي"، تدور قصّة حبّ. تعلّقٌ وَلِهٌ بين شخصين. حكاية صيف تزدهر فيه قصص الهوى، وتلتهب المشاعر في أجواء منبثقة من استرخاء الإجازات، واستعداد مسبق للوقوع في أسر الانجذاب نحو طرف آخر، ليس بالضرورة أنْ يكون من الجنس الآخر هنا.

لكنّ "صيف 85" ـ الفيلم الأخير "المُنتظَر"، أقلّه فرنسياً، لفرنسوا أوزون، والمختار رسمياً للدورة الـ73 (12 ـ 23 مايو/ أيار 2020) لمهرجان "كانّ" السينمائيّ، الملغاة بسبب كورونا ـ لا يتيح هذا الاسترخاء. منذ اللقطات الأولى ـ عبْرَ الوجه المنغلق على انفعالات غامضة لبطله ألكسي (فليكس لوفيفر)، المسحوب بيديه المقيّدتين من شرطيّين إلى التحقيق ـ يقود أوزون فيلمه إلى مُشاهدةٍ مغلّفة بالتخمينات، وتحفّزٍ حافل بالخيبات.

فيه، يستعين أوزون بالأسلوب الذي يتقنه عادة، جاعلاً مُشاهِدَه يتوقّع وينتظر حدثاً معيّناً يؤكّد توقّعاته، ويسعفه بأجواء خاصة من موسيقى مقلقة، ونظرات مقطّبة لبطله، وسرد بصوت عميق لأحداثٍ من الماضي. يطول قدوم الحدث بعض الشيء، لكنّه يأتي أخيراً، مُوافقاً التوقّعات أحياناً كثيرة، ومُخالفاً إياها أحياناً أقلّ. لعبة ألغاز يلعبها أوزون. يعطي بعض قواعدها، ويأخذ مُشاهِدَه إلى المكان الخطأ تاركاً إياه فيه، قبل تحفيزه على الانتقال مجدّداً إلى المكان الذي ربما يكون صحيحاً. ألا يذكّر هذا بمخرجٍ آخر؟ هيتشكوك مثلاً؟ إنْ يُطيل اللعب في مراحل معينة، يبقى متحكّماً بأجوائه. هذا أكثر ما برع فيه، إنْ لم يكن الأمر الوحيد، في "صيف 85".

بعد "بفضل الله" (2019)، المنطلق من قصص حقيقية لأطفال ضحايا اعتداءات جنسية من رجل دين مسيحي، مُتحرّراً بكلامٍ عن قضايا مُحرّم تناولها إلى وقتٍ قريب، يعود فرنسوا أوزون إلى موضوعٍ مسكوتٍ عنه سابقاً، لكنّه اليوم حاضرٌ "بقوّة" في كلّ فيلم ومسلسل وكلام.

 

 

ألكسي (16 عاماً) يروي ما جرى له بصوته. يقرأ نصاً كتبه بأسلوبٍ أدبي يُنبئ بكاتب مستقبليّ. يعود إلى البدايات، ومن حين إلى آخر يقطع المخرج عليه سرده ليعود به إلى الحاضر. ذهابٌ وإياب بين ماضٍ وحاضر، أثقل على الفيلم كأشياء أخرى. ألكسي لطيفٌ ووسيم وبريء من دون أن يكون مُغفّلاً. يعشق الأدب، ومأخوذٌ بفكرة الموت وطقوسه. يشير السيناريو إلى هذا في حوارات عدّة، ويدعمه المخرج بإشارات دالّة، كتعليق صُوَر فراعنة ومومياء على جدران غرفته. متعلّق بأمّه الحنونة، المستعدة لأنْ تغفر له كلّ شيء. يهاب والده، العامل في الميناء. حين يلتقي دافيد (بنجامن فوازان) في أحد أيام صيف 1985، الذي (دافيد) يُنقذه من حادث في القارب، يرتبك أمام إلحاحه ليكونا صديقين، ويجد في هذا نوعاً من فرض النفس عليه، يدفعه أولاً إلى التحفّظ تجاهه، قبل الوقوع في أسره. يُنتظر أيضاً أنْ يكون دافيد جذّاباً ومُحبّباً، شكلاً وصفات، وكمنقذ دائم للآخرين، رغم أنّ هناك شيئاً ما خلف شهامته وجرأته وعواطفه الفيّاضة. لكنّه ـ بشخصيته النقيضة لشخصية ألكسي، خصوصاً في الشكل (طويل القامة، وعضلات بارزة، وابتسامة هازئة ودائمة، ومشية مختالة، وثقة لامحدودة بالنفس) ـ لا يثير تعاطفاً أو انجذاباً.

فهل يكمن السبب في الشخصية أم في الدور؟ أم هما معاً لا يُثيران تفاعلاً؟ هذا رغم إرادة أوزون، الذي يبدو شديد التعاطف مع الشخصيتين، مُظهراً دافيد شخصية مكمّلة لألكسي، لحيويته المرحة واندفاعه، من دون وضوحٍ في أعماقها، إذْ يسودها غموض لا ينكشف تماماً.

مشهد وحيد يبدو فيه دافيد قريباً وصادقاً، حين يعترف لألكسي بأنّه بدأ يملّ منّه، وبأنّه يحبّ الحرية أكثر من أيّ شيء آخر. هنا، يتمكّن فوازان من إيصال مشاعر مختلطة، ذات مستويات عدّة. مشاعر مركّبة ومتذبذبة، تتأرجح بين هوى وأسى وندم ورغبة في الانطلاق وكسر قيد الحبيب، مُعبِّراً عن هذا بدقّة ورقّة، في نظرة متأثّرة ومسحة حنان تكتسي تعابيره.

قصّة عاطفية عن المراهقة والحبّ الأول والصداقة واكتشاف العلاقات والأجساد والمشاعر الغامضة، أرادها أوزون عالمية، تعود إلى مراهقته هو في ثمانينيات القرن الـ20، عند قراءته "ارقص على قبري" (1982) للإنكليزي أيدان شامبرز، فاستوحى فيلمه من القصّة هذه، ومن مشاعره حين قرأها، مُقدّماً إياها بأسلوب كلاسيكي، ومستعيداً فيها عقد الثمانينيات ببعض أزيائه وموسيقاه، خاصة مع فريق "ذا كيور، ذا سميث"، التي شكّلت عنصراً مهمّاً في تناول العلاقة بين الشابين، وبينهما وبين الإنكليزية كايت (فيليبّين فالج)، وفي الإيحاء بتلك الفترة. كما أنّه لم يبخل بمَشاهد الحبّ العاصف وتكرارها، ولم يكتفِ بالإيحاء بها، حتّى عندما يكون هذا كافياً.

لا جديد في هذه الحبكة النفسية، التي ينجح قسمها الأول في إثارة الاهتمام، قبل تمييعها سريعاً بحوارات مسطّحة، وسوء إدارة أدوار ثانوية، لا سيما دور أم دافيد (الإيطالية الفرنسية فاليريا بروني تيديتشي)، الذي يُعاني المبالغة، وأسلوب إخراج مواقف عدّة، كمشهد الرقص على القبر، المفتعل بل السيئ والباعث على السخرية، بدلاً من التعاطف والحزن. تكرار لا جديد فيه، إلاّ إذا اعتُبرت علاقة الشابين منتمية إلى الجدّية. لكنْ، حتى هذه، باتت اليوم في "كلّ مقام ومقال".