"صفقة القرن" في معترك التسميات

01 فبراير 2020
الصورة
جدار في غزة، 28 يناير 2020 (تصوير: مجدي فتحي)

ارتُكبت هذا الثلاثاء جريمةٌ موصوفة تابع العالمُ بأسره الاعترافَ المتبجِّحَ بها. فمنذ سنتين، تداولت وسائل الإعلام، تسمية "صفقة القرن" في إشارة إلى "الخِطّة" التي أعدّها فريق الجريمة، من عصابة دونالد ترامب لحلّ ما تسميه "النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي" وهو استعمارٌ إحلالي في الحقيقة.

امتلأ المَشهد السياسي والثقافي، هذه الأيام، بتداول توصيفاتهم لهذا المسار الأُحادي، بعد الإعلان عنه في حفل رسمي، واندلعت بعد ذلك مَعركة أسماءٍ لا تقل في ضراوتها عن سائر المعارك، من خلال التلاعب بطريقة استحضار هذه "الصفقة" وتمثيلها وتقديمها لوعْي الناس.

فمن جهة أولى، أطلقت عليه الجهات المؤيِّدة اسم "صفقة القرن"، في ترجمة حرفية عن الإنكليزية Deal of Century، بكل ما تحمله كلمة deal، في الثقافة الأنكلوفونية من معاني الربحيّة والتفاوض الذكيّ من أجل الظفر بأكبر الغنائم. وهكذا، صُوِّرت هذه الخطّة بأنها أكبر "اتفاق" وقع في القَرن، مَع أنه لم يمضِ منه سوى عقديْن، فضلاً عن حمولة خاصّة، تومئ إلى شعائر الرأسمالية في الفوز بالصفقات الكُبرى، كأنما القضية الفلسطينية "أرض للبيع" إثر مزايدة أو مُناقصة. كما لم تُحدد هذه التسمية المستفيدَ الحقيقي من هذه الصفقة، وهو قطعًا ليس صاحب الحقّ.

وهناك مَن التجأ إلى لُعبة المترادفات فاختار إضافة "العصر" لتكون أقربَ إلى الطور الزمني الذي تمر به المجموعة الدولية. ولكنَّ هذا الاختيار يظلّ، مع ذلك، حاملاً لنفسٍ تمجيديّ، مُؤكدًا عليه. ومع الأسف، تسوّق لهذه التسميات قنواتٌ ومنابر عربيّة متواطئة مع هذا المشروع، ولا هَدفَ لها سوى تلميع صورة "الصفقة" وتمريرها في خيال الشعب العربي، عبر تقنيات التكرار والإلحاح والتحييد، كما لو كانت "مَكسبًا جمًّا يمكن أن لا يحصل الفلسطينيون "على عرض أفضل منه"، في طرح تسويقي حقير.

وأما الإدارة الأميركية الرسميّة، فحاولت تمرير هذه الخطة باستعمال العبارة الماكرة "رؤية للسّلام"، بل وأضافت عنوانًا فرعيًّا: "خريطة مفاهيميّة"، في سبيل مزيدٍ من التعمية وإضفاء نزعة ذهنيَّة، مجرّدة، على معنى الأرض. وهل الأرض، في فلسطين وغيرها، "مفهوم"؟ أم هي امتدادٌ جغرافيٌّ وواقع حيّ، بماضيه وتُربته وزياتينه الألفيّة وناسه؟

وأما الجهات التي تحاول أن تظهرَ، زَعْمًا، بمظهر الحياد وأنها تنأى عن هذا النَّفَس الاحتفائي فاستخدمت تسمية "خطة السلام"، أو "الخطة الأميركية للسلام" بما في ذلك جهات عربيةٌ، مع أنها تدرك تمامًا أنها خطة عدائية، تسعى لسرقة بقايا فلسطين التي قضمتها "اتفاقية أوسلو" لصالح المحتلّين عام 1993 وحرمان الشعب الفلسطيني من عاصمته القدس، فضلاً عن سائر مظاهر الإجحاف في فصولها التي حِيكَت في أكثر من ثمانين صفحة.

وردًّا على هذا المنزع "الإيجابي" أو الحيادي البارد في التسمية، بادر معارضو هذه "الخطة" بإجراء تحويل صوتي لاسمها، فصارت "صفعَة القرن"، بإبدال القاف عينًا، وذلك مما تتيحه البلاغة العربية، وفنُّ البديع تحديداً عبر تقنية الجناس الناقص، حيث أنّ إبدال حرف يَقلبُ المعنى، فتعود الحقيقة العدائية للصفقة ظاهرة إضافة إلى معان حافة، إذ تتجلى "الاتفاقية" مثل ضَربة غادرةٍ على الوجه. ومن التسميات الأخرى، عبر تغيير المضاف إليه في العبارَة، "صفقة العار"، كما استعملت عبارةُ "الصفقة الشيطانية" وغيرها من العبارات التي تحاول العودة إلى "الصفقة"، بوصفها جريمة في حق شعب وأرضٍ.

وأما خطاب الدبلوماسية العربية، وهو السائر دائمًا على البَيْض، فيُحبّذ عبارة "خطة ترامب"، أو "الرؤية الأميركية"، وهو ما استعمله في خنوعٍ واضحٍ أحمد أبو الغيط، الأمين العام للجامعة العربية، وذلك ضمن مَسار المواربة السخيفة الذي تَسلكه هذه المنظمة حتى لا تغضبَ أيَّ طرفٍ من الأطراف.

ولا يخفى أنه ليس ثمة عند الحديث عن هذا المسار من استعمال بَريء، وأن اختيار التسمية يعني الحُكم عليه واتخاذ موقف منه، في مسعى إما إلى تمريره أو تقويضه. وقد أدركت سائر الأطراف ما في سلاح الأسماء من عنفٍ رمزي وما فيه من طاقاتٍ على المناورة والإقناع والصراع. وعلى أصحاب الحق في الأرض أن يستخدموا بذكاء وإصرار عبقرية الأسماء وألا يقللوا من سطوتها وألا يقعوا، على الأقلّ في فخاخها. ورُبَّ اسمٍ أمضى، في هذه المعركة التاريخية، من سلاح.