"رسائل أوديسيوس" لنوري الجراح بقراءة خلدون الشمعة

07 سبتمبر 2020
الصورة
(نوري الجراح)
+ الخط -

قدّم الشاعر السوري نوري الجراح (1956) منذ بداياته شعرية تعتمد اليومي والعابر وتفاصيل الوجود، لتتطوّر تجربته بشكل ملحوظ نحو مساحات أكثر تعقيداً وغنى فلسفياً ومعرفياً، مع اقتصاد ونحت لافتين في الجملة الشعرية، مغامراً في إعادة إنتاج للأسطورة بما يتلاءم مع رؤية النص وحالات الشاعر في مدن الحداثة وعلى تخوم الما بعد في الزمن الحديث.

صدرت حديثاً عن "دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع"، في عمان طبعة جديدة من مختارات شعرية للجراح كانت قد صدرت في القاهرة سنة 2008 تحت عنوان "رسائل أوديسيوس" اختارها وقدّم لها الناقد والأكاديمي السوري خلدون الشمعة، الطبعة الجديدة تحمل "إعادة نظر في الطبعة الأولى، واستدراك لقصائد كُتبت في وقت لاحق"، كما ثُبّت في تصديرها.

الصورة
غلاف الكتاب


يُفتتح الكتاب بعتبة يقول فيها الشاعر: "أيها العالم، يا أوديسا الغرباء والمنفيين"، ويكتب في أولى قصائده "حقول": "سأقاتل بالسيف حتى أصل بهذه الضحكة إلى حافة النوم../ هنا أتمّدد/ عيناي مخضّلتان من كثرة سقوط المطر في الليل/ لكنني نابه/ كالفكرة المجنونة/ سأقاتل في القلعة، وحولها، تحت الأصوات/ وساعة يخلد الأعداء إلى الظلال/ وتنكص الألوية بالخيول/ في وقت كهذا تنبسط الأرض/ وتتموّج/ ويمرّر الهواء صرخات السنابل إلى أرض أخرى/ وفي الحفاء، على التراب المسترخي/ بدلال/ من عناء الصيف/ الضحكة/ تقلّب النائم/ كما لو أن العدو شقيق يحلم".

يشير الشمعة في تقديمه إلى أن "هـذه المختـارات تطـرح إشـكالية تعريـف مـا أود أن أدعـوه بـ"الحداثـة الثالثـة"، أي الحداثـة المتحرّرة كليـاً مـن أنظمـة الـكلام أو العـروض أو التفعيلـة أو الإيقاع، كـما ألفناهـا مـع شـعر سـابق، وهــو تعريف غــر مقيـّـد ويســهم، بشــكل أو بآخــر، في عمليــة تـذوّق الشـعر الجديـد في "رسـائل أوديسـيوس"، ويخلص إلى القول: "إن شـعرية الشـاعر هنـا هـي شـعرية الكينونـة بما هـي خصـام مـع الـذات. ولهـذا فإنهـا تتجـلى في الانفتاح على أفـق شـعري مغايـر بالضرورة، أفـق لا تقيـّده التنظيرات المسبقة التـي تصـادر باسـم تماهي الهامـش مـع المركز، على مفهـوم للشـعرية، قوامــه الدُرجــة (الموضة)، وهــي تنظيرات تذكرنا أحياناً بهجاء كريكغـارد لفلاسفة يشـيدون قلاعاً شـاهقة فيما هـم يسكنون في أكـواخ آيلـة للسـقوط".

في قصيدة "لم أكن في دمشق" نقرأ: "لم أكنْ في دمشق/ لم أكنْ في شارع/ ولا في متجر/ لم أكن في محطّة/ ولا في شرفة تطلّ على قطار/ لم أكن مسرعاً ولا مبطئاً/ أبعدَ من يدي، كنتُ ومن عيني الغريقة في الزمن راقداً على قلقٍ في تراب الموعد/ ويدي تنزفُ".

في إشارة إلى القصيدة التي حملت المجموعة عنوانها، يكتب خلدون الشمعة: "استرعت قصيدة "رسائل أوديسيوس" انتباهي للوهلة الأولى منذ سنوات، وقمت بترجمتها إلى الإنجليزية لتقدم في مهرجان شعري بريطاني.

في النص يتلبس نوري الجراح قناع أوديسيوس بطل ملحمة هوميروس. وفيها تقابل أنا الشاعر person أنا أودبسيوس Persona المُتَلَبَسْ. ولكن الملحمة تتحول منذ البداية إلى ما يدعى بـ"الملحمة النقيض" mock epic، الملحمة الشخصية المصغرة التي صيغت جماليتها بحامل معرفي قائم على محاكاة عمادها النقض والنفي. قوام هذه الجمالية أمران: الأول هو استعادةٌ لا تحاكي في علاقتها بملحمة هوميروس المحاكاة بالمعنى الآرسطي. القصيدة هنا ليست محاكاة مرآوية بل سردية نقض ونفي موازية".

ويواصل الشمعة موضحاً: "هذا التحويل من الأسطوري العام إلى الذاتي الخاص يذكرني بقصيدة إليوت "أغنية العاشق بروفرك" الذي كان أثرها الملموس بينا في الشعر العربي الحديث. بروفرك ليس الأمير هاملت مثلما أن الشاعر هنا ليس أوديسيوس.
الثاني: هو أن القصيدة تقدم صورة مصغرة عن هذه المختارات، وما أعنيه هنا هو التأسيس لعالم الشاعر في شعرية الكينونة. تبدأ بتساؤل شخصي سجالي لتنتهي بمطابقة ضدية بين المصائر إذا صحّ التعبير. وربما أمكن القول أن المطابقة معارضة نصية بين الذاتي والأسطوري:

مَنْ جاء بيتي ساعَةَ لمْ أكنْ ورأى الدمَ في السَّتائر
مَنْ لمَسَ الباب، مَنْ طافَ في الغُرَفِ
من نَظَرَ سريري؟
أنا لستُ أوديسيوس حتى يكون لي معجبون
قرؤوا قصتي، وجاؤوا يعزّونني
لا
ولستُ أوديسيوس
لتكون لي أختٌ
تُطرِّزُ
على الماكِنة
شالاً، أو قميصاً
لشقيقها الغائب.
 
لستُ أوديسيوس
لامرأة ماتت ودُفِنَتْ تحت السلَّم
لستُ أوديسيوس
لأمٍ.
لستُ أوديسيوس
لابنٍ.
لستُ أوديسيوس
لأختٍ.
أنا لستُ أوديسيوس
وهؤلاء الذين صُرِعوا وتَخَبَّطوا في فِناء منزلي
صَرَعَهُمُ القَدَرُ.
 
مَنْ جاءَ بيتي في عَرَبَةٍ
مَنْ جاءَ خِفيةً
وعندما لمْ أكُنْ
مَنْ فَتَحَ الخزائنَ وقَرأَ رسائلي التي أرسلتُها لنفسي
أنا
أوديسيوس
المَيْتُ في باخرة".
 

المساهمون