"داعش" في الساحل الأفريقي... الحقائق والمبالغات

"داعش" في الساحل الأفريقي... الحقائق والمبالغات

23 مارس 2018
الصورة
المنافسة بين التنظيمين ستؤدي لتكثيف الهجمات الإرهابية(أحمد أوبا/فرانس برس)
+ الخط -
منذ انتهاء معركة الرقة في سورية والموصل في العراق، تزايدت التصريحات السياسية الغربية والإقليمية والتقارير الإعلامية التي تتحدث عن انتقال تنظيم "داعش" إلى منطقة الساحل، وترشّح هذه المنطقة لأن تكون المكان الجديد الذي سيتمدد التنظيم فيه ويلم شتاته بعد الهزيمة في العراق وسورية. وتبدو منطقة الساحل أكثر المناطق التي ترشحها أجهزة الاستخبارات لأن تكون منطقة استقطاب عناصر "داعش" والوجهة الجديدة للتنظيم. ويرتكز هذا الترشيح إلى أن كل مبررات وجود التنظيمات المسلحة تتوفر في المنطقة الصحراوية، سواء تلك التي تتعلق بضعف بنية دول المنطقة وهشاشة قوتها العسكرية، أو تلك التي تتصل بوجود قبائل مسلحة تتبع لـ"داعش" أو تنظيم "القاعدة" أو غيرهما من التنظيمات، إضافة إلى أنها منطقة خصبة لشبكات تهريب السلاح والمخدرات والاتجار بالبشر، والمساحة الشاسعة الخالية بغالبيتها من السكان. كما أن هناك فرعاً صغيراً لتنظيم "داعش" موجود في المنطقة منذ ثلاث سنوات.

وفي عام 2015، أعلن "داعش" عن وجوده في منطقة الساحل، وأسس فرعاً له في المنطقة، بقيادة أبو الوليد الصحراوي. وظهر أن التنظيم يحاول التواصل مع "داعش" في ليبيا عبر منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في المنطقة الحدودية بين مالي والنيجر القريبة من الحدود الليبية، التي يتخذها التنظيم قاعدة خلفية له. واستفاد التنظيم من صلات سابقة لقائده أبو الوليد الصحراوي، الذي كان في ليبيا قبل تأسيس فرع "داعش" في الساحل، ومن هناك توفرت له الإمكانيات المادية والأسلحة التي أمّنت له ظروف الإعلان عن نفسه قائداً لفرع "داعش" وممثلاً له في منطقة الصحراء الكبرى، وحاز على تزكية من زعيم "داعش" أبو بكر البغدادي، إذ أصدرت قيادة التنظيم في سورية حينها بياناً أكدت فيه مبايعة الصحراوي للبغدادي.

لكن مثل هذه الحالة لم تؤد إلى استقطاب جهاديين جدد كما حدث في سرت ودرنة الليبيتين، بقدر تحول جهاديين، كانوا ينشطون منذ فترة تحت لواء تنظيم "القاعدة" المنتشر في صحراء ليبيا والجزائر ومنطقة الساحل، من "القاعدة" إلى "داعش"، تماماً مثلما أعلنت مجموعة صغيرة من عناصر "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" المتمركزة في منطقة البويرة، قرب العاصمة الجزائرية، انشقاقها عن التنظيم وتأسيسها لتنظيم "جند الخلافة" ومبايعة "داعش". ومع ذلك، سارع فرع "داعش" في الصحراء إلى البحث عن عمل استعراضي يثبت به وجوده، إلى أن توفرت له عملية استهداف أربعة جنود أميركيين في شمال مالي، نجح في تصويرهم وتبنى عملية قتلهم، ناهيك عن الجدل السياسي والإعلامي الذي رافق ذلك بشأن مسألة وجود أميركي غير معلن في منطقة الساحل.

يقول الباحث المختص في شؤون الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، حسام آغ عيسى، لـ"العربي الجديد"، إن "فرع داعش في الساحل تعمد إظهار عملية قتل الجنود الأميركيين الأربعة في شمال مالي قرب الحدود مع الجزائر، في سياق إثبات وجوده في المنطقة، ومحاولته توجيه ضربة قوية لتنظيم القاعدة الذي يعتبر منافساً قوياً له في المنطقة". ويفهم من الإشارة الأخيرة أن هناك إمكانية لحصول مواجهة بين "داعش"، بقيادة أبو الوليد الصحراوي، والمجموعات التي تتبع لتنظيم "القاعدة"، والتي تكتلت في جماعة "أنصار الإسلام"، التي يقودها الدبلوماسي المالي السابق، إياد غالي، بالصورة نفسها التي حدثت في سورية خلال المواجهة بين "داعش" و"جبهة النصرة"، الموالية لـ"القاعدة". وتضم جماعة "أنصار الإسلام"، خمساً من الحركات الجهادية في الساحل الأفريقي، هي كتيبة "المرابطون" و"أنصار الدين" و"إمارة الصحراء" و"قاعدة المغرب الإسلامي" و"كتائب تحرير ماسينا"، والتي ظهر قادتها في مارس/ آذار 2017 لإعلان مبايعتهم لتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وزعيمه عبد المالك دروكدال، المعروف بأبي مصعب عبد الودود، وزعيم "القاعدة"، أيمن الظواهري.

ويبدو حضور "القاعدة" سابقاً لتنظيم "داعش"، إذ تشاركت مجموعات تابعة لـ"القاعدة" وحركات مسلحة تابعة للطوارق السيطرة على مدن شمال مالي في 2012، قبل أن يتم طردهم عبر تدخل أجنبي. لكن هذا لم يقلل من خطرها مقارنة مع خطر وجود "داعش"، وخصوصاً أن المنافسة بين التنظيمين تذهب في اتجاهين: الأول السيطرة على الممرات ومناطق النفوذ والتموين، ما سيدفع كل طرف إلى تكثيف هجماته، وهو ما يلاحظ أخيراً من حيث منحى الهجمات الإرهابية التي توسعت من مالي والنيجر إلى واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو، والثاني في تجنيد أكبر عدد من الجهاديين والمسلحين الناشطين في المنطقة بالنسبة إلى "القاعدة"، أو استقطابهم من مناطق أخرى بالنسبة إلى "داعش". وهنا يبرز التساؤل عن مدى قدرة فرع "داعش" في الصحراء والساحل على توفير ممرات تسهل وصول عناصره الهاربين من العراق وسورية إلى المنطقة.

على الخريطة تبدو الأمور غير ممكنة، إذ ليس من السهل انتقال عناصر ومجموعات "داعش" من سورية والعراق إلى منطقة الساحل. ليست المسافة وحدها ما يمكن أن يعيق حصول هذا الأمر، إلا إذا كانت هناك تدخلات دولية غامضة، تسهل وصولهم بالطريقة التي سهلت وصول الآلاف من الجهاديين إلى سورية والعراق. لكن عوامل المطاردة الأمنية والملاحقة الاستخباراتية والتحفز الذي تبديه كل الدول، بما فيها دول الساحل بعد شبه انتهاء "داعش" في سورية والعراق، ستعيق هذا الانتقال، وتزيد من هامش الشك في قصة انتقال عناصر "داعش" إلى منطقة الساحل. وفي هذا السياق، يعتبر عيسى أن "المخاوف من تسلل مقاتلي داعش القادمين من سورية والعراق، بعد خسارتهم للمعركة هناك، مجرد هواجس وتوقعات. لا أعتقد بأن هناك مقاتلين من سورية والعراق يمكن أن يلتحقوا بداعش في الساحل، لأنه لا يخفى على أحد أن تمدد داعش في أفريقيا بات أمراً صعباً نظراً إلى عدم وجود مناطق خالية يمكن أن يتسلل من خلالها، فهناك حصار دولي ووجود كبير لتنظيم القاعدة، الذي يعتبر عدواً آخر لداعش ولا يمكن أن يشاركه مناطق نفوذه". ويقول إن "المخاوف الحقيقية لا تتمثل في قدوم مقاتلين من سورية أو العراق، بل تتمثل في تأسيس وتكوين داعش داخلياً، أي بمقاتلين من دول الساحل، كما في ليبيا التي تمثل همزة وصل بين قائد داعش في الساحل أبو الوليد الصحراوي والقيادة العليا لداعش. فمثلاً عناصر التنظيم في ليبيا لم يأتوا من سورية أو العراق بل جاؤوا من ليبيا نفسها ودول مجاورة، وبناء على ذلك، قد يكون هدف الصحراوي هو الوصول إلى تكوين إمارة قوية لداعش مكونة من شبان من دول الجوار". ولا يعرف ما إذا كانت التقارير الاستخباراتية والسياسية بشأن انبعاث "داعش" في الساحل مجرد معلومات وتخمينات أمنية، أم أنها تقارير مزدحمة أيضاً بتطلعات استراتيجية للدول الغربية التي تتنافس منذ مدة للسيطرة على الموانئ والممرات وثروات الذهب واليورانيوم وغيرها في أفريقيا. وعلى هذا الأساس يصبح استنبات تنظيم "داعش" في منطقة الساحل مبرراً أكثر منه حقيقة، إذ كثيراً ما تخلط الدول الغربية بين الإرهاب ومصالحها.

المساهمون