"بيوت الشعر".. حسابات الحرس القديم والثورة المضادّة

30 مارس 2019
الصورة
تشيهارو شيوتا/ اليبان
+ الخط -

تذهب بعض القراءات إلى مقاربة أزمة الشعر بمآلات علاقته مع السلطة، إذ إن القصيدة العربية منذ بدايات القرن العشرين، حاولت الخروج على بنى بلاغية وعروضية واجتماعية وسياسية بالضرورة، وظلّت محاولات التجديد مرتبطة أساساً بالتحرّر من سطوة أدواتها.

مقابل ذلك، يمكن النظر إلى سلوك المؤسسة باعتباره دفاعاً عن منظومة قديمة لا ترى في القصيدة سوى شكل من أشكال التعبير عن قيمها وتصوّراتها تجاه الفرد والمجتمع، وكرّست ذلك من خلال مهرجاناتها وجوائزها وماكينتها الإعلامية، التي تعاملت مع الشاعر كموظّف أو عامل مياومة يؤدي مهمات مقابل أعطياتها.

في التسعينيات، أُسّست في أكثر من مدينة عربية بيوت للشعر صاغت أهدافاً تبدو متشابهة؛ كالتعريف بالمشهد الشعري المحلي، والمساهمة في حركة النشر والترجمة والنقد والانفتاح على الفنون الأخرى، وجميعها كانت مدعومة من أطر رسمية.

اليوم، تتوجه "العربي الجديد" إلى شعراء عرب لسؤالهم عن جدوى هذه المشاريع بعد نحو ربع قرن من إنشائها، ماذا حقّقت في تطوير المشهد الشعري، وما الذي أخفقت فيه؟ وهل يمكن القول إنها لم تغادر الذهنية والمعايير والأساليب ذاتها التي ادّعت السعي نحو تغييرها.

شعراء إعلام
الشاعر الأردني محمد عريقات يرى أنه "قبل الحديث عن بيوت الشعر، أحب أن أفترض سؤالاً وأجيب عنه: ما مدى فاعلية الحركة الشعرية الأردنية؟ الجواب: انقسم الشعراء الأردنيون إلى قسمين؛ الأول شعراء إعلام، ومجاملات ومهرجانات وهؤلاء هم الغالبية، والثاني شعراء الظل... شعراء نأوا بنتاجاتهم طوعاً عن مطحنة القسم الأول التي تعيد وتكرر إنتاج كتابات شعرائها. إذاً، لن يخرج الناقد المتتبع لحركة الشعر في الأردن بغير الزبد. الأمر الذي ينعكس بالضرورة، على الملاحق الثقافية وبيوت الشعر، التي ستكرر نشاطاتها وفعالياتها التي تستمدها من مطحنة شعراء القسم الأول".

يتابع: "لا أسعى لرفع العتب عن تلك البيوت، بوصفي لها مرآة لواقع الشعر، بقدر ما أشير إلى حالة الخراب العام في المؤسسات والأوساط الثقافية في الأردن. لن يزيد وجه القبح جمالاً أن ينظر في مرآة استعارها من الجمال. نحن في زمن إنتاج الرداءة والاحتفاء بها على كل الصعد الثقافية، الفنية، والأدبية".

يختم صاحب "أكلتني الشجرة" بقوله: "أربعة بيوت للشعر في الأردن! بيت الشعر في "أمانة عمّان" لا أعلم بما آل إليه الآن، و"بيت الشعر العربي" في "رابطة الكتاب" يقوم على جهد فردي لرئيسه عبد الله أبو شميس الذي يسعى لإنقاذه، و"بيت الشعراء" في إربد ليس لديّ تصور كافٍ عنه، و"بيت الشعر" في المفرق الذي تدعمه الشارقة وهو حديث عهد ننتظر منه أن يقدم شيئاً ذا فعالية وجدية".

أماكن حكومية
ترى الشاعرة المصرية سارة عابدين أن "بيوت الشعر في القاهرة تُعتَبر أماكن حكومية، وبيت الشعر الرئيسي فيها يرأسه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، المعروف بعدائه للشعر الجديد، وخاصة قصيدة النثر، وما زال مفهوم الشعر الذي يسيطر عليه هو الشعر القديم ببحوره وقوافيه وتفعيلاته، وإدراكه للشعر متوقف منذ عقود، ومن ثم اختياره لرئاسة بيت الشعر يعكس التعاطي الحكومي والقديم للشعر والنظرة إلى الشاعر، التي ما زالت قاصرة على الصورة النمطية للشاعر صاحب الجمل الرنانة، والنظارات السميكة، والكلمات المعقدة غير المتداولة".

وتشير صاحبة "أبتلع الوقت"، إلى أن "هناك قصوراً في فهم الشعر الحديث وجوهره، والسخرية منه ومن كتّابه في أحيان كثيرة، وتكريسه باعتباره كتابة غير مفهومة وبلا هدف، يلجأ إليها الشعراء الذين لم يتمكنوا من مجاراة قوة الشعراء القدامى، في كتابة الشعر، ولا في التعمق في اللغة العربية، وما زالت الفكرة الكبرى المسيطرة على المسؤولين عن بيوت الشعر أن اللغة والمفردات الصعبة هي المقابل الأوحد لمفهوم الشعر، لذا لا يمكنهم التعاطي مع بساطة ويومية المفردات في الشعر الحديث أو قصيدة النثر بشكل خاص. في بعض الأحيان تتم استضافة أمسيات لشعراء قصيدة النثر أو الكتابة الجديدة، ضمن جداول الفعاليات، لكن يبقى الاحتفاء الدائم بشعراء آخرين وكتابة أخرى".

في سياق الثورات المضادّة
أما الشاعر السوري علي سفر، فيلفت إلى أن "مشكلة بيوت الشعر العربية في غالبيتها، تكمن في أنها تحولت إلى مؤسسات تتشابه مع اتحادات الكتاب المحلية، وحتى تلك التي أرادت أن تكون حرة فقد ظلت رهينة ضعف الإمكانيات"، موضحاً أن "البيوت باتت منسية في الوقت الحالي، بسبب عدم فهم القائمين عليها حاجات الشعر والشعراء الشباب، بينما يفترض أنها أقيمت لتسهل لهم فرص وصولهم إلى القارئ، وتماثلت مع أغلب المؤسسات الثقافية وصارت فيها صراعات مملة وسخيفة، بين طالبي المناصب والإمارات الشعرية".

يتابع: "البيت الشعري لا يفترض به أن يكون معقماً عن السياسة، ولا عن طموحات الأجيال الشعرية بأوطان حرة تحترم كرامة مواطنيها، ولكن الواقع أبرز لنا أن البيت الشعري ولا سيما في مرحلة الربيع العربي، كان خرابة للشعر".

ويرى صاحب "اصطياد الجملة الضالّة"، أن "بعض بيوت الشعر العربية أعادت الحساسية الشعرية قروناً إلى الوراء، حتى غدا أصحاب التيار الحداثي في الشعر غرباء عن المشهد، وكأن هذه البيوت تتساوق في أفعالها مع الأنظمة التي قررت في سياق الثورات المضادة إعادة الفضاء العام العربي إلى القروسطية، بدلاً من فتح الآفاق صوب الديموقراطية والتشاركية".

ضرورة المؤسّسة
تلفت الشاعرة المغربية عائشة بلحاج إلى أنه "يمكن أن نقول من وجهة نظر مثالية، بأنّ الشاعر لا يحتاج لبيوت الشعر لأنّ الشعر كائن بريّ، والشاعر ليس في النهاية سوى حطاب كلماتٍ من غابة الشعر، وأنه في غنى عن المؤسسات. لكن من وجهة نظر واقعية، الشاعر يحتاج إلى الكثير. أولاً من ينشر له، في ظلّ انصراف الناشرين عنه، ويحتاج إلى قرّاء هم أكثر منه حاجة، لأن يتعرّفوا إلى قصيدة النثر التي أُهملت في المقرّرات الدراسية. لذا فدار أو بيت للشعر، مؤسسةً ثقافية مختصّة في الشعر، هي التي يُفترض بها تنظيم لقاءات له مع تجارب جديدة في الشعر، قد تكون صادمة بداية، لكن لاحقاً سيعتاد ويبحث عنها".

تضيف صاحبة "قبلة الماء"، بأنه "من هذا المنطلق أجد أن المؤسّسة في المشهد الثقافي ضرورة للمجتمع، أكثر منها للشاعر. المجتمع يحتاج إلى الشعر، والشاعر يزدهر في مجتمع صحّي يؤمن بالشعر، لا في مجتمع جاهل بوجوده. بالمقابل على المسؤولين عن بيوت الشعر، إدراك حقيقة أنّ اللقاءات الشعرية النخبوية لا تفيد الشعر كثيراً. والبحث عن نقاط التقاءٍ بين الشاعر والقارئ واجب عليها، وكذلك منح الفرص للأصوات الجديدة، والابتعاد عن منطق المجاملة في الشعر. والأهم أن تهتم بجوهر الشعر، أي بتلك العلاقة بين اللغة والحياة، ومحور العلاقة، أي الشاعر الذي يجد نفسه غريباً كل يوم أكثر، ومُتجاوزاً من محيطه الذي يتعامل معه ككائن أحفوري".

وتختم: "بيت الشعر مؤسسة ثقافية مثل أي مؤسسة أخرى. ما يميزها أنها تختصُّ بالشعر وحده، لذا تحمل خصوصيتها في طبيعة اهتمامها. دورها تحدّده الإدارة التي تسيرها، وتختلف في ما تقدمه من خدمة للمشهد الشعري. في المغرب، مؤسّستان تحملان هذه الصفة، لكن طريقة اشتغالهما تختلف رغم أن الهيئة الإدارية هي نفسها. أظن أنّهما تملآن فراغاً كبيراً، وحققتا شعوراً بالألفة بين الشاعر ومحيطه، لكن الطريق طويل نحو إنشاء علاقة حقيقية بينهما. كما أن جمعية "بيت الشعر"، التي أُنشئت منذ وقت أطول قياساً مع عمرهما القصير، تقوم بأدوار طيبة مؤخراً، عكس الجمود السّابق الذي كان يميز حركتها".

الشعر بلا شعراء
من جهته، يقول الشاعر العراقي علي رياض: "ظلّ بيت الشعر العراقي فعالاً ونشيطاً حتى عام 2016، وأداره عدد من الشعراء الشباب النشطين المشتغلين بالصحافة، أذكر منهم عمر الجفال وزاهر موسى وحسام السراي، ولخبرتهم الصحافية تمكنوا من إصدار مجلة موسمية باسم "البيت" وكانت أعدادها جيدة، كما صمّم عدداً من الملصقات التي تم توزيعها في شوارع بغداد والجامعات والمؤسسات الحكومية، التي تحمل اقتباساً لشعراء كبار وشباب خذلهم الإعلام. حظيت تلك المبادرة باحتفاء كبير في الأوساط الثقافية العراقية، لكونها أخذت خطوة عملية تجاه تقليل المسافة بين القارئ وقصيدة النثر على وجه التحديد".

"لكن البيت لم يستطع أن يحافظ على ديمومته، وهو الآن متوقف عن أي نشاطات، إذ كان آخرَ ما أعلنه بيت الشعر العراقي هو فيلم وثائقي عن تجربة "البيت" وكان ذلك مطلع عام 2018"، يستدرك صاحب "حين استيقظت ميتاً"، ويضيف: "لأجل الإنصاف لا يمكن انتقاد المسؤولين عن هذا التوقف، فكيان ثقافي مهم مثل بيت الشعر لا يملك مقراً له، وركود الشعر في الثقافة العراقية، لا يدفعان المتحمسين إلى إعادة إحياء البيت، وهنا يمكن الالتفات إلى مشكلة أكبر هي دور النشر العربية عموماً، التي أصبحت تمتنع عن طباعة الكتب الشعرية على حسابها الخاص بغض النظر عن جودة الكتاب، ما دفع أغلب الشعراء، ولا سيما الشباب، إلى الاكتفاء بمنصات التواصل الاجتماعية وسيلةً للنشر.. كيف يتعامل بيت الشعر مع الشعر بلا شعراء وكتب شعرية؟".

على الحياد
يبيّن الشاعر التونسي مجدي بن عيسى أنه "قد لا يكون لبيوت الشعر أثر مباشر على الشعر بوصفه فناً ينجز في الحميميّة والعزلة، ولكونه أشدّ الفنون اللغوية خصوصية وذاتية، بحيث يحتاج حينئذ لأن يكون لكلّ شاعر بيت، ولكنّنا مع الأخذ بالاعتبار هذا الأمر الخاص بالفن الشعريّ".

"نثمن هذه البيوت بوصفها مؤسسات راعية، ونطالبها حينئذ بأن تظلّ على الحياد ترعى الشعر على اختلاف مذاهبه وتوجهاته، متحمّلة نزقه ورغبته الأصيلة في التجاوز والتجريب"، يضيف صاحب "نبالات مهجورة".

المساهمون