"النيرد": عبقرية الدم الثقيل

15 يناير 2020
الصورة
يرمي إلى أن السوريين لا يجيدون إدارة أزماتهم (Getty)
+ الخط -
مع بداية العام الجديد، أطلق الشاب السوري، شمس الدين المنعم، برنامج "النيرد" على قناته الخاصة على "يوتيوب"، وعبر قناته الخاصة وصف برنامجه بأنه "برنامج كوميدي يطرح مواضيع علمية واجتماعية". لكن البرنامج فعلياً لا يتعدى كونه محاولة جديدة فاشلة من المحاولات التي قدمها الـ"يوتيوبرز" السوريون الذين يحاولون تقليد، أو الاستلهام من، برنامج "الدحيح" لأحمد الغندور. وصدرت من برنامج "النيرد" حتى اليوم حلقتان (واحدة كل أسبوع)، ورُوِّج للبرنامج عبر الصفحات المخصصة للدراما السورية على فيسبوك.

يتمحور البرنامج حول شخصية "النيرد" التي يؤديها شمس الدين، إذ يبدو بفيديوهاته غير مدرك للمعنى الحقيقي لمفردة "نيرد" والسمات التي يجب أن يتسم بها. فكلمة "نيرد" تعني الشخص غير الاجتماعي، الذي يمضي أوقاتاً طويلة مع الأشياء غير المألوفة للكثيرين، أو الأشياء التي ليست من الأنشطة العامة والسائدة، فيعرف عنها الكثير، وعادةً ما تكون عالية التقنية أو متعلقة بمواضيع خيالية أو فانتازية أو علمية. وهذه المواصفات لا تنطبق كلياً على الشخصية التي يتقمصها المنعم، الذي يحاول بشكل بائس أن يترك لدى الجمهور انطباعاً عنه، كشاب ظريف و(روش)، ويضحك بشكل جنوني بعد أن يلقي النكات والإيفيهات السمجة، ويخرج بجولات استقصائية إلى الشارع ليقابل الناس ويسألهم بأسلوبه المتعالي الذي لا يخلو من التنمر.
أما في ما يتعلق بمحتوى البرنامج، فهو لا يختلف كثيراً من حيث المنهج والفكر عن البرامج التي يعرضها التلفزيون السوري الرسمي، الذي يبرئ النظام السوري من كل الأزمات الاقتصادية والمعيشية والخدمية التي يعاني منها الشعب السوري من خلال إلقاء اللوم على الشعب، أو كما هو الحال في "النيرد"، الناس الجهلة، الذين يجب عليهم الاقتداء بالنيرد ليرتقوا بحياتهم والوصول إلى مستوى أفضل.

وبعد أن يوجه "النيرد" هذا الاتهام المسبق إلى جمهوره، يلقي عليهم المواعظ والحكم، ويعلمهم كيفية التعاطي مع الحياة، بأسلوب يشبه إلى حد بعيد ورشات الدعم النفسي أو التخطيط الإداري، التي تواظب منظمات المجتمع المدني على تقديمها للسوريين منذ اندلاع الثورة.
من خلال هذا الأسلوب، يوحي شمس الدين أن المشكلة الرئيسية التي يعاني منها السوريون في الداخل اليوم هي مشكلة نفسية ناجمة عن سوء إدارتهم لحياتهم، يجب أن تعالج نفسياً وبالتخطيط! ويذكر في الحلقة الأولى مثالاً مباشراً على ذلك، عندما يقول للمشتكين من سوء الخدمات الرئيسية في سورية إن المشكلة لا تتعلق بانقطاع التيار الكهربائي 18 ساعة في اليوم، بل المشكلة بالناس الذين لا يعرفون كيف يتعاملون مع هذا الظرف بنحو إيجابي ولا يستثمرون هذا الوقت بالقراءة أو الأنشطة التي لا تتطلب كهرباء برأيه؛ ليفترض أن انقطاع التيار الكهربائي والبرد والجوع هي مشاكل تحتاج لدعم نفسي لا أكثر.
من الأمور الكارثية في البرنامج، أن "النيرد" يستخدم بعض المراجع المهمة ويشوهها لتخدم رسائله التي لا تخلو من الطابع السياسي؛ وهو ما يحدث في الحلقة الثانية، عندما يستعين باقتباسات من كتاب "سيكولوجيا الجماهير" لغوستاف لوبون، ليوجه الناس نحو العزلة والانقطاع ويحثهم على عدم مواكبة الأخبار والتعاطي مع وسائل الإعلام التي ستسوقهم إلى سياسة القطيع، التي قد تسرب لهم الشعور باليأس، رغم أن الأمور بخير، كما يظهر في التقارير الاستطلاعية التي يصورها في شوارع دمشق.
يبدو غريباً أن هذا البرنامج المتوافق مع بروباغندا النظام قد عُرض على قناة "يوتيوب"، بدلاً من عرضه على شاشات النظام السوري. ومن ناحية أخرى، من المعروف للجميع أن التقارير التي صورها شمس الدين في الشارع من غير الممكن تصويرها في دمشق من دون الحصول على موافقات أمنية؛ وهذه الأمور تبعث على الشكوك في أن البرنامج المعد بتقنيات عالية، والذي تزامن مع تخوفات النظام من تسرب عدوى الثورة مجدداً من دول الجوار، لا يختلف بتنظيمه عن "المسيرات العفوية" التي شهدتها دمشق سنة 2011.

المساهمون