"الغضبات الملكية" في المغرب... توجّه لتسيير الحكم

03 يوليو 2017
الصورة
تسبّبت "غضبة" الملك على وزير الشباب بإقالته(ستيفان دوساكوتان/فرانس برس)
باتت "الغضبات الملكية" جزءاً لافتاً من المشهد السياسي في المغرب، وأضحت توجّهاً سياسياً يؤشر على آلية رئيسية لتسيير الحكم، خصوصاً عند غضب الملك محمد السادس على أداء قطاعات معينة، أو تصريحات شخصية حكومية. وتعدّت "الغضبات الملكية" المتكررة في المغرب، مسألة المزاج الشخصي الذي يفيد بعدم رضا أعلى سلطة في البلاد عن شخصية أو قرار معين، إلى التأثير بقوة في مسارات سياسية وحزبية بالكامل.

ولم تكن غضبة الملك محمد السادس قبل أيام على وزراء الحكومة التي يرأسها سعد الدين العثماني، بسبب تأخر تطبيق المشاريع التنموية في منطقة الريف، الأولى من نوعها، بل سبقتها "غضبات ملكية" عديدة على رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران وعلى وزراء ومسؤولين كبار. ووثّق بيان رسمي للديوان الملكي "غضبة" العاهل المغربي على وزراء حكومة العثماني بسبب الاحتجاجات في مدينة الحسيمة، والتي اندلعت في جزء منها بسبب عدم تنفيذ مشروع "الحسيمة منارة المتوسط" في وقته. وأبدى الملك استياءه وانزعاجه وقلقه، بخصوص عدم تنفيذ المشاريع التي يتضمنها البرنامج التنموي الكبير، الذي تم إقراره تحت رئاسة الملك، في تطوان في أكتوبر/تشرين الأول 2015، في الآجال المحددة لها. ونجمت عن "الغضبة الملكية"، وفق مصادر "العربي الجديد"، توجيهات صارمة بتحديد المسؤوليات عن التأخر في إنجاز المشاريع التي أفضت إلى الاحتجاجات التي تشهدها منطقة الريف منذ سبعة أشهر.

وفي سياق "الغضبات" المتكررة، يتذكر المغاربة كيف أعلن الملك محمد السادس غضبه من تصريحات رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، في خطاب رسمي في 30 يوليو/تموز الماضي، بمناسبة ذكرى توليه سدة الحكم، لكن من دون أن يشير إلى بنكيران بالاسم. ورد الملك على تصريحات لبنكيران قال فيها الأخير إن "هناك دولتيْن داخل المغرب، الأولى يرأسها الملك محمد السادس، والثانية لا ندري من أين تأتي قراراتها وتعييناتها"، بالقول إن "البعض يقوم بممارسات تتنافى مع مبادئ وأخلاقيات العمل السياسي، ويطلق تصريحات ومفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات".
هذه "الغضبة" الملكية على بنكيران، حتى من دون تسميته، جعلت رئيس الحكومة السابق يتوقف عن إطلاق التصريحات العفوية فترة من الزمن، كما أنه لم يجرؤ على الرد، واعتبر أن الغضبة الملكية لم تكن موجّهة إليه وحده من دون باقي الفاعلين السياسيين.


وبعد "غضبة" الملك على بنكيران، جاء الدور على الأمين العام لحزب "التقدّم والاشتراكية" المشارك في الحكومة، محمد نبيل بنعبد الله، الذي صرح في سبتمبر/أيلول الماضي بأن "المشكلة ليست مع الأصالة والمعاصرة كحزب، بل مشكلتنا مع من يوجد وراءه، وهو بالضبط من يجسد التحكّم"، في إشارة إلى المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة. الإشارة إلى مستشار الملك وصديقه، دفعت الديوان الملكي إلى إصدار بيان أكد فيه حينها أن تصريحات بنعبد الله "ليست إلا وسيلة للتضليل السياسي، وتسيء لسمعة الوطن وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات في محاولة لكسب أصوات وتعاطف الناخبين".

"الغضبة" الملكية طاولت أيضاً وزير الشباب والرياضة السابق محمد أوزين، قبل أشهر مضت، كما تسبّبت في إقالته من مهامه، بسبب ما اصطلح عليه حينها بفضيحة الملعب العائم، إذ عجز ملعب الرباط عن احتواء مياه الأمطار الكثيفة في مباراة دولية، الأمر الذي أدى إلى استعمال وسائل بدائية لتجفيف الملعب، وعرّض المغرب إلى سخرية منابر إعلامية دولية.

وعدا المسؤولين الحكوميين، أعلن العاهل المغربي غضبه أكثر من مرة على مسؤولين كبار، منهم مدير صندوق الإيداع والتدبير أنس العلمي، بسبب خروقات طاولت مشروع "باديس" في الحسيمة. تعثّر المشاريع المقرر إنجازها كان سبباً أيضاً في "غضبة ملكية" قبل فترة ضد مدير وكالة التنمية ورد الاعتبار لفاس، فؤاد السرغيني، جراء تقارير عن تأخر تنفيذ برنامج ترميم وإعادة تأهيل المعالم التاريخية للمدينة العتيقة في فاس.

ويرى مراقبون أن "غضبات" الملك تؤشر إلى استمرار نظام ملكي تنفيذي، على الرغم من "التنازل" عن صلاحيات كانت خاصة بالملك لرئيس الحكومة في الوثيقة الدستورية التي صدرت عام 2011. وكانت مطالب حركة 20 فبراير التي أخرجت الآلاف من المغاربة إلى الشوارع في فبراير/شباط 2011، للمطالبة بمحاربة الفساد، قد دعت إلى إرساء ملكية برلمانية تسود ولا تحكم على غرار الملكية في إسبانيا، غير أن واقع الممارسة السياسية والدستورية أبقى على نظام ملكي قوي ونافذ.