"السلطة المرابطية": ميثولوجيا الحكم وصورته

09 مايو 2019
الصورة
(المسجد الجامع في تلمسان شيّد في عهد المرابطين)

يختلف تقييم حكم المرابطين في بلدان المغرب والأندلس خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر بحسب المنظور تجاهها، إذ يُحسب لها التصدي لمحاولات الممالك المسيحية السيطرة على شبه الجزيرة الإيبرية في لحظة ضعف الدولة العباسية.

لكن هناك وجه آخر يرتبط بكونهم نخبة عسكرية لم تستطع الحصول على دعم شعبي كبير، ما يفسّر قصر مدة حكمهم نسبياً (مئة وثلاث سنوات)، إضافة إلى اهتمامهم بالتوسع والسياسة الخارجية على حساب الشؤون الداخلية، بل إنهم نزعوا إلى التشدّد في اتباعهم القوانين والأنظمة.

"السلطة المرابطية: الرمزي والمتخيل" عنوان الكتاب الذي صدر حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" لأستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية والباحث المغربي عز الدين جسّوس، الذي ينطلق فيه من المكانة الخاصة التي تحتلها السلطة السياسية في عقلية الرعية، وهذا راسخ في وعيهما كليهما، وتحكم العلاقة بينهما حقوق وواجبات متبادلة.

غير أن الأمر لا ينحصر في شكل العلاقة هذه بحسب الكتاب، بل يتعدّاه إلى استعمال السلطة السياسية الحاكمة، بما في ذلك ما يترتب على التطور الفكري واللغوي اللذين يصاحبانها، رموزاً وصوراً تمثّل السلطة الحاكمة وتعبّر عنها، وتراكم هذه الأمور، إضافة إلى أعمال الحكّام وقراراتهم وممارسات السلطة السياسية، وهو ما ينتج عنه بناء متخيَّل معيَّن في ذهنية الرعية التي تساهم في نشره والدعوة إليه عن قصد أو عن غير قصد، بل تعمل أيضاً على تطويره وتضخيمه.

في الفصل الأول، "دلالات السلطة السياسية الرمزية"، يتناول جسّوس الدلالات الرمزية للسلطة، مثل الألقاب والجند وذكر الحاكم في خطبة الجمعة ومقصورة الصلاة والنقود، مشيراً إلى أن الرعية لم تتمكّن من رؤية حاكمها، وكل ما كان يُعرف عندئذ عن السلطة السياسية أنها تحكم البلاد في مجالها من الصحراء والمغرب والأندلس، وأن السلطة السياسية تتمركز في مراكش، وأن أمير المسلمين هو الحاكم الأعلى الذي يدير شؤون البلاد بتنصيب الولاة أو القضاة أو جباة الضرائب، وأن إلى جانب السلطة السياسية الفعلية التي يمتلكها الحكام سلطة رمزية تختص بصاحب السلطة السياسية، من كثرة جند، ونقوداً متداولة في المعاملات المالية، وذكر الحاكم في خطبة الجمعة، والمقصورة المخصصة له عند الصلاة.

يلفت المؤلّف في الفصل الثاني، "ميثولوجيا السلطة السياسية: التنبؤات والأحلام"، إلى أن الميثولوجيا صاحبت قيام دول ونظم سياسية منذ أقدم العصور، واتخذت شكل تنبّؤات أو أحلام أو حكايات يختلط فيها التاريخي بالخرافي، لتدعيم السلطة السياسية وإعطائها الطابع السلطوي الذي تحكم من خلاله.

أما الفصل الثالث، "السلطة السياسية وامتلاك الشرعية لدى الرعية"، فيستعرض مسألة الاعتراف بالخلافة العباسية، من حيث هي بحث عن شرعية حقيقية أم شرعية رمزية؟ كما يتطرّق إلى ميثولوجيا نسب أصحاب السلطة.

في الفصل الرابع والأخير، "صورة الحاكم المرابطي"، يبحث جسّوس في صورة الحاكم المرابطي في ذهنية الرعية، وما يخاطَب به أمير المسلمين، لافتاً إلى أن أول ملاحظة خارجية على صورة الحاكم المرابطي هي اللثام الذي له دلالة خاصة في مجال السيادة المرابطية شمال الصحراء في المغرب والأندلس، لأن أهل الصحراء كانوا يعرفون هذا الزي، والجانب البارز في رسم هذه الصورة في ذهنية الرعية هو الطابع الجهادي.

تعليق: