"السحجة"... رقصة تقليديّة في أعراس البيرة

21 يوليو 2019
الصورة
مدينة البيرة حافظت على طابعها الفلاحي رغم تمدنها (فيسبوك)
في مدينة البيرة وسط الضفة الغربية، يعتبر الأجداد وكبار السن والمهتمون بأرشفة الموروث الشعبي الـ"دي جي"، عدوًا لدودًا، وخصوصاً أنَّ الناس لا يستغنون عن تشغيله في حفلات الزفاف، ويكتم عنوةً أفواه الشعراء والمغنين الشعبيين. بل ألغى الـ"دي جي" في كثير من القرى تقاليد الرقص والغناء. ورغم ذلك، يتمسك أهالي مدينة البيرة وسط الضفة الغربية برقصتهم الشعبية المعروفة بـ"السحجة البيراوية" إلى جانب صنوفٍ أخرى من الرقص والغناء كـ"التغريبة" و"الدلعونا".

السحجة هي من سحج، وتعني صفق يديه ببعضهما البعض، وهو تقليدٌ قديم في مدينة البيرة، تنفرد به على مستوى مدن ومناطق الضفة وعموم فلسطين المحتلة، في ظل تخلي عدد منها عن تقاليدها الأصيلة في الأعراس. وتُقام السحجة قبل حفل الزفاف بيوم، أي في ليلة السهرة، أو ما يُعرف بمساء الحنة (تتم تحنية العروس وحلق شعر العريس وذقنه)، وذلك بعد صلاة العشاء. تصطف مجموعة من الرجال الذين قد يصل عددهم إلى مائة أو ثلاثمائة رجل في حلقة دائرية مفتوحة من الطرفين أو في صفين مُتقابلين، ويقف في الوسط "البديع" أو المبدع أو القوّال الذي يُبدع في القول الأول. ويردد من ورائه من يقفون في السحجة البيت الأخير مما يقول. ويرد كل صف على الثاني بالأبيات نفسها، وقد يصل عدد الأبيات التي يقولها إلى 25 أو 50 بيتاً. ويتزامن الغناء مع حركات باليدين وتمايلات متناسقة بالجسم، وفي وقتٍ واحد.

من شروط المبدع أو "البديع" أن يحفظ العديد من أبيات السحجة، وأن يكون شكله مهندماً، ويُتقن حركات التمايل بيديه وجسمه. ويوضح "البديع" جمال حسين (55 عاماً) لـ"العربي الجديد"، أن من الشروط المهمة أيضاً في المبدع، أن يعمل على تحفيز "تحمية وتحميس" السحيجة أو الرجال الراقصين، بصوته وهمته. ومن الضروري ألا يلازم مكانه أثناء السحجة، والذي غالباً ما يكون في الوسط بصحبة عصا يلوح بها، عدا عن حفظه الجيد ونباهته. فأي نوع من عدم ترتيب الأبيات، من شأنه تشويه تسلسل السحجة ورونقها. مع العلم أن السحجة قد تضم أكثر من "بديع"، خاصة السحجات الكبيرة. تحمل جمال مسؤولية القول في السحجة منذ 6 سنوات، بعد وفاة مبدع شعبي شهير في البيرة وهو عبد المجيد عيزر، ويقول: "في البداية أخافني الموضوع، وأنا الذي أشارك في السحجات في أعراس مدينتي البيرة منذ 30 عاماً. شعرت بادئ الأمر بمسؤولية كبيرة؛ إذ يتطلب ذلك مني أن أكون قائداً لعشرات بل مئات المشاركين في السحجة، لكن مع مرور الوقت، اعتدت الأمر".

تمتاز مدينة البيرة بأنها حافظت على طابعها الريفي رغم تمدنها، وحافظت على موروثها الشعبي منه السحجة إلى اليوم. فلا يخلو حتى عرس واحد من السحجة. كما أن العلاقات الاجتماعية الوثيقة تبدو ظاهرة للعيان في الأعراس، فعائلات البيرة الخمس: "قُرعان" و"الطويل" و"عابد" و"حمايل" و"قراقرة" يدعو بعضها بعضاً في حفلات الزفاف. ولا توجد قطيعة بينها، ويُشارك الجميع في السحجة، ومن لا يشارك أو يحضر يُعاب عليه. وكان السحيجة قلة في الماضي، إذْ كان عددهم لا يتجاوز 15 رجلاً وربما أكثر. ويلبس جميعهم اللباس التراثي الفلسطيني الخاص بالرجال؛ ويتألف من "القمباز"، أي لباس الجسم، والحطة والعقال، أي غطاء الرأس.

دلالات

تعليق: