"الأمة" إلى العمل السري:فصل من سياسة سودانية "تحت الأرض"

"الأمة" إلى العمل السري:فصل من سياسة سودانية "تحت الأرض"

27 يناير 2015
الصورة
الصادق استبق قرار حظر حزبه (إبراهيم حميد/فرانس برس)
+ الخط -

شرع حزب "الأمة" السوداني المعارض في إجراءات فعلية لحل أجهزته الحزبية والاتجاه إلى العمل السري "تحت الارض"، تحسباً لقرارات يُنتظر أن تصدر من مجلس الأحزاب السوداني بحظر نشاط الحزب، على خلفية الشكوى الرسمية التي قدّمها الأمن السوداني بسبب توقيع "الأمة" اتفاقات مع "الحركة الشعبية - قطاع الشمال" والحركات الدارفورية المسلّحة (الجبهة الثورية) تقوم على "تفكيك النظام في الخرطوم"، وفق الشكوى.

وعلمت "العربي الجديد" أن "الأمة" بدأ بتشكيل أجهزته الحزبية السرية من حلقات غير معروفة لدى الأمن وذات خبرة عالية لإدارة التنظيم بشكل سري.

وتأتي الخطوة بناء على مقترح قدّمه رئيس الحزب المقيم حالياً في مصر الصادق المهدي، باستباق قرار مجلس الأحزاب، وحل أجهزة الحزب والاتجاه إلى العمل السري للخروج بأقل الخسائر من قرار الحظر، والذي إن صدر، فقد يشلّ حركة الحزب "إن لم يكن جاهزاً له"، فضلاً عن أن الخطوة ستفضي إلى مصادرة ممتلكات ووثائق الحزب.

وقالت نائب رئيس حزب "الأمة" مريم الصادق إن حزبها سيُعلن عدة تدابير، من بينها تجميد النشاط السياسي وتفويض رئيس الحزب والقيادة التنفيذية للقيام بمهام التنظيم كجزء من الترتيبات، لمواجهة التعديلات الدستورية الجديدة التي صادق عليها البرلمان السوداني أخيراً وأطلقت يد الأمن.

تاريخ العمل "تحت الأرض"

عرف السودان العمل السري أو ما يُطلق عليه "تحت الارض" منذ عشرينيات القرن الماضي، ومارسته معظم الأحزاب السياسية السودانية في حقبة الحكم العسكري في البلاد، الذي امتد إلى 48 عاماً منذ الاستقلال، لكن الحزب الشيوعي يُعدّ أكثر من اشتهر به وظل يمارسه حتى اليوم، إذ ما زالت هناك شخصيات ضمن مكتبه القيادي مخفية تماماً، كما أن زعيمه الراحل إبراهيم نقد، قبع ثلاثين عاماً تحت الأرض، منها أحد عشر عاماً في عهد الرئيس الحالي عمر البشير.

وسبق أن هددت الأحزاب المعارضة في عام 2013 باللجوء إلى العمل السري على خلفية الإجراءات التي اتخذتها الحكومة ضدها وقتها، لتوقيعها على ميثاق الفجر الجديد مع "الجبهة الثورية"، وقامت باعتقال كافة الموقّعين من قِبل التحالف قرابة الشهرين.

وعادة ما يُلجأ إلى العمل تحت الأرض في حالات تعذّر النشاط العلني للأحزاب، في ظل وجود قمع وتضييق على نشاطها، إذ توفّر الأحزاب ملاذات آمنة لقياداتها الأساسية لإدارة الحزب بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية.

ويتم اختيار الشخصيات لذاك النوع من العمل وفقاً لمعايير خاصة تتصل بكفاءة الشخص وقدرته على كتم الأسرار، إضافة إلى حسن تصرفه عند الأزمات، فضلاً عن عدم تأثره بالعاطفة، إذ إن العمل تحت الأرض يعني انقطاعاً كاملاً عن محيطه الأسري، كما أن أولئك الأشخاص عليهم انتحال شخصيات مختلفة وإجادة مهن مختلفة، بعضها هامشي.

ويقول القيادي في حزب "البعث" المعارض محمد علي جادين لـ"العربي الجديد"، إن العمل السري يتم عادة عبر خلايا صغيرة تتكون من ثلاثة إلى خمسة أشخاص، لتسهيل الحركة والاجتماعات التي عادة ما تكون محددة ولا مجال فيها للإسهاب في الحديث، ويمكن أن تلتقي تلك المجموعة في أماكن غير معروفة للأمن أو في المقاهي والأماكن العامة.

ويوضح أن "من يتم اختياره لا بد أن يكون شخصية غير معروفة بنشاط سياسي أو للإعلام أو معروفة جماهيرياً"، مشيراً إلى أن "هذه الشخصية عادة ما تقوم بتنظيم الحزب ونشاطه من كتابة وتوزيع بيانات والكتابة على الجدران، وتصل إلى العمل النقابي والترتيب للإضراب".

ويؤكد جادين أن "نسبة اختراق العمل السري ضعيفة جداً بسبب كثرة حلقات القيادة ودرجاتها، الأمر الذي يأخذ وقتاً في الوصول لها"، لافتاً إلى أن العمل السري حقق نجاحات خلال الفترات التي شهدت انتفاضات شعبية في البلاد وقادت إلى إسقاط حكم العسكر (حكم إبراهيم عبود وجعفر النميري).

ولكن جادين يرى كذلك أن للعمل السري سلبيات تتمثل في إدمان العمل السري نفسه وانعدام الثقة لدى من مارسوه وتمركزهم حول أنفسهم، مؤكداً أن الأحزاب ستستمر بالعمل السري حالياً.

من جهته، يقول القيادي في حزب "مؤتمر البجا" عبد الله موسى لـ "العربي الجديد"، إن فكرة العمل السري تقوم على إدارة الحزب بشكل سري بعيداً عن الأمن والجماهير، وعادة ما تكون هناك كوادر خاصة لذلك العمل، إذ تلجأ الأحزاب إلى وضع كوادر جماهيرية وأخرى تنظيمية، مؤكداً أن هذه الخطوة من شأنها أن تحمي كوادر الحزب الرئيسية من الاغتيالات وتتيح فرصة لإدارة الحزب للحد من الانقطاع بين القاعدة والقيادة.

بين تنفيذ الخطوة واستحالتها

تباينت ردود الفعل حول اتجاه حزب "الأمة" نحو العمل "تحت الأرض"، وجزم بعضهم باستحالة تنفيذ هذه الخطوة باعتبار أن "الأمة" حزب جماهيري، ويفتقر إلى ذلك النوع من التجربة، فضلاً عن أن قيادته معروفة جماهيرياً وإعلامياً وللأجهزة الأمنية، كما أن الحزب مُخترق أمنياً، الأمر الذي يُقلل خيارات الحزب في العمل، بينما يرى آخرون أن الخطوة ممكنة وأن الطرف العقائدي الممثل في أنصاره من شأنه أن يمثّل ميزة للحزب في توفير الملاذ الآمن للكوادر السرية وحمايتها.

ويعتبر موسى قرار "الأمة" حكيماً وسيُخرج الحزب بأقل خسائر إذا ما قرر مجلس الأحزاب حظره، مشيراً إلى أن "حزب الأمة سبق أن جرب العمل السري في الأيام الأولى للنظام الحالي، وهو يمتلك مجموعة من الأنصار صاحبة الولاء والإخلاص اللامحدود للقيادة ويمكنها أن تقاتل الحكومة لحمايتها".

ويؤكد أن لجوء "الأمة" للعمل السري يمثّل خطراً على الحكومة التي ستتعامل وقتها مع أشباح لا تتوقع ردة فعلهم.

لكن المحلل السياسي خالد عبد العزيز يرى أن الخطوة بمثابة ورقة ضغط على الحكومة لثنيها عن اتخاذ قرار بحظر الحزب، ويقول لـ"العربي الجديد" إن العمل السري لأي حزب يعني تقليل العمل وسط الجماهير، فيما "الأمة" حزب جماهيري، كما أن عملية اختفاء كادره الأساسي تُعدّ عملية صعبة ومعقدة.

من جهته، يلفت مدير تحرير صحيفة "الميدان"، المتحدثة بلسان الحزب الشيوعي، كمال كرار لـ"العربي الجديد "، إلى أن "العمل تحت الأرض تقليد عند الحزب الشيوعي منذ تأسيسه، إذ يُعدّ من أكثر الأحزاب التي تعرضت لاعتقالات ومحاكمات خلال الحقب الماضية، وتم حظره، الأمر الذي دفعه للعمل تحت الأرض للحفاظ على أجهزته من الضربات الأمنية وهو نجح في هذه التجربة".

ويوضح أن "الحزب الشيوعي كان يمارس نشاطه في إصدار البيانات وعقد الندوات الداخلية بعيداً عن أعين الأمن"، مشيراً إلى أن "العمل السري يقوم على التفرّغ الكامل، وبالتالي للحزب جهات عمل تنظيمية وحزبية يفرغ لها شخصيات بمواصفات ومعايير محددة".

أما القيادي في حزب "المؤتمر الشعبي" المعارض أبو بكر عبد الرازق، فيرى في العمل السري أمراً لا ينبغي للأحزاب اللجوء إليه إلا في حال تحجيم نشاطها العلني، باعتبار هذا العمل يُضرّ بالعمل السياسي والفكري، إذ يُحجّم الانتماء التنظيمي ويؤثر في استقطاب أعضاء إلى الحزب، كما يُغيّب الاتصال الجماهيري.

ويوضح عبد الرازق أن "المؤتمر الشعبي" لجأ إلى العمل تحت الأرض عقب حظر نشاط الحزب في عام 2001 من قِبل السلطات في الخرطوم، لافتاً إلى أن "للحركة الاسلامية تاريخاً في العمل السري في الأيام الأولى لانقلاب النميري، وهي تلجأ أحياناً إلى ممارسة حياة مختلفة تماماً، كما يتم ترتيب بدائل".

ويقول مدير دائرة الأمن الخارجي السابق حسن بيومي لـ"العربي الجديد"، إن الصعوبة في عملية اختراق العمل السري للأحزاب تكمن في تحديد آليات وأساليب الأحزاب للعمل تحت الأرض، مشيراً إلى أنه "في حال تم الوصول إلى هذه الأساليب فيتم اختراق الأحزاب بسهولة".

ويجزم "بسهولة اختراق العمل السري للأحزاب العقائدية (كحزب الأمة والاتحادي)، بسبب سهولة الوصول إلى مصادر داخلها وتجنيدها لصالح الأمن بسبب خلافاتها وأطماع بعضهم في الرئاسة".

ويرى بيومي أن "أخطر ما في العمل السري لجوء الأحزاب إلى التشهير بالنظام ورموزه عبر نشر معلومات وأخبار عنهم أو عن مقربين لهم عبر وسائل الاتصال الحديثة المختلفة من دون معرفة مصدرها، وهو ما يتم الآن"، معتبراً بالتالي أن "هذا الأمر يؤكد أن هناك عملاً سرياً يجري بالنظر إلى ما أثير حول زيجة شقيق الرئيس عمر البشير الثالثة، وانتشارها على نطاق واسع عبر وسائل التواصل المختلفة، إضافة لما يُثار بشأن نجل وزير الدفاع عبدالرحيم أحمد حسين".

ويؤكد أن "التشهير يؤثر بصورة مباشرة على الرأي العام، خصوصاً الناس البسطاء"، مذكّراً "أن لدى الأمن وسائله لمحاولة اختراق العمل السري"، مشيراً إلى أن "الأجهزة المختصة تحرص على أن تكون لديها مصادر داخل الأحزاب يكون لديها ملفات باسم حركي وصور مخفية الملامح يمكن كشفها عبر إشعاع محدد، وذلك للحرص الشديد لإخفاء المصدر".

المساهمون