"إيدجوار رود": مضرب خيل العرب في لندن

"إيدجوار رود": مضرب خيل العرب في لندن

08 ديسمبر 2014
الصورة
مشهد لندني (العربي الجديد)
+ الخط -
أن تزور دمشق دون أن تمرّ بسوق الحميدية فكأنّك لم تزرها، وأن تكون في مصر ولا تسلّم على أهرامات الجيزة، فكأنّك تجاهلت العَظَمَة، وأن تزور لندن دون الجلوس والأكل والشرب في "إيدجوار رود"، فيعني أنّك لم تمرّ بلندن، "مربط خيلنا".
عند زاوية تلاقي "أكسفورد ستريت" مع "بارك لين"، ليس بعيداً عن "هايد بارك كورنر" الشهيرة، وقبالة "ماربل آرش" أو "قوس الرخام"، تبدأ العتبة الأولى من "إيدجوار رود" أو "شارع العرب"، كما يسمّيه أهل لندن الأصليون أو المهاجرون، أو حتّى العابرون من السوّاح.

لا يحتاج زوّار لندن إلى الاستعانة بخريطة سياحية للوصول إلى الشارع، حيث سحب الدخان المتصاعد من النراجيل وأسياخ المشاوي ترشد الضالين والغرباء. أما أصوات راغب علامة وخالد الشيخ وراشد الماجد، المدوية من محلات بيع الأشرطة والسيارات المكشوفة، فهي بوصلة تهدي الأطرش إلى "إيدجوار رود" أو "مضارب بني يعرب".

عندما تضع قدميك في الشارع يجتمع أمامك العالم العربي من المحيط إلى الخليج، من اللبناني صاحب المطعم، إلى العراقي صاحب العقار، إلى السوري بائع الخضار، إلى الخليجي المستثمر، إلى الفلسطيني العامل، إلى المغربي السائق... مجتمع كامل يقدّم ويستهلك كلّ الخدمات، وبين كل هؤلاء ينتشر من أبناء الجالية العربية الطالب والصحافي والأستاذ الجامعي والسياسي اللاجئ والفنان الحالم والمهاجر الفاشل.

روّاد المطاعم والمقاهي يصطفون أمامها في أرتال منتظمة، يشربون الشاي والقهوة، يدخّنون ويتحدّثون بأصوات مرتفعة وبكل اللهجات العربية، يخوضون في كل شؤون الحياة، الزواج والطلاق، الفشل والنجاح، المال والأعمال والمشاريع الاستثمارية، الاستيراد والتصدير، المغامرات العاطفية في بلاد العجم، وصولاً إلى أخبار الجامعات ومدارس اللغة، ومتعهّدي كتابة الأبحاث الجامعية ورسائل الماجستير والدكتوراه.

في بلاد الحريات وأعرق الديمقراطيات، لا يتمتع العرب بالكثير من حرية الرأي والتعبير، إذ يمكنك الحديث في كلّ شيء إلا أمرين: الدين والسياسة. وهذا ليس بأمر من السلطات البريطانية، أو بموجب تعليمات من مكتب عمدة لندن، بوريس جونسون، بل هي أوامر أصحاب المحلات، إذ أشهر أحدهم لافتة عريضة، كتب عليها باللغة العربية الفصيحة: "يُمنع الكلام في الدين والسياسة"... ربّما معه حقّ، فالمطاعم للأكل والشرب والتدخين، وليست ساحات للجدل الذي قد يتطور - على الألسنة العربية - إلى حرب بالكراسي الطائرة والأواني الثقيلة.

تجرّ قدميك على رصيف "إيدجوار رود" وأنت تتصفّح وجوه عرب لندن، وهم يطالعونك من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين. تمرّ بمحلات تبيع كل شيء من علكة "الشيكلتس" إلى آخر صرعات "الموبايل" و"الستلايت"، صالونات حلاقة، محلات لتجارة العقارات، مكاتب للهاتف والخدمات السياحية والطيران، وحتّى صيدليات وبنوك، هذا ناهيك عن المقاهي التي تقدّم الشاي والقهوة واليانسون والكركديه والسحلب والمهلبية وطبعا الشيشة، بكل ما تشاء من نكهات "المعسل".

غير أن المساحة الأوسع من جانبي "إيدجوار رود" فهي للمطاعم التي تقدّم وجبات متنوعة، تمتدّ عبر خارطة المطبخ العربي من "الكسكسي"، الآتي من المغرب وتونس والجزائر وليبيا، إلى الكبسة السعودية، مروراً بورق العنب والمخللات والمعجنات والفول والحمص والمتبّل والمقبلات والسلطات اللبنانية والشامية، ولا تنسَ الشاورما والكبة وحتّى المنسف والملوخية والمجدرة.

في المجال الجوي لـ "إيدجوار رود" يختلط دخان "المعسل" والتنباك" مع دخان الفحم المنبعث من مداخن المشاوي، فتحيل سحب الدخان مدينة الضباب إلى مدينة "كباب" بكل نكهات البهارات، تخفي خلفها روائح العطور المنبعثة من متاجر "أكسفورد ستريت" وروائح الأشجار المتطايرة مع نسائم الهواء المقبل من "هايد بارك".

غير أنّ "إيدجوار رود" العربي يستدعي من الزائر العربي توخّي الحيطة والحذر، إذ هنا تكثر حوادث السرقة والاعتداءات، والتسوّل، وترويج البضائع المسروقة والسلع المقلّدة، والمحلات التجارية ترفع أسعارها في الصيف وتعوّض السياح والزوّار العرب الهاربين من حرّ شمس بلدانهم بـ"حرّ الأسعار" التي تصل إلى حدّ الاستغلال.

أما المطاعم فحدّث ولا حرج: الأسعار في موسم الصيف تُرفع ضعفاً أو ضعفين، بينما تتضاءل النوعية ضعفين أو ثلاثة، فلا تعود الفلافل تشبه الفلافل، ويختلط عليك طعم المتبّل مع الحمص، وتصبح الأكلات العربية بلا طعم ولا لون ولا رائحة.

هذا ما تراه من الوجوه العربية على طول 900 متر من أحد شوارع العاصمة البريطانية، أما ما لا تراه في "إيدجوار رود"، فحديث آخر.

دلالات

المساهمون