"أبو حنيفة" سويسرياً

09 اغسطس 2020
الصورة
فريدريش دورينمات مع زوجته شارلوت كير، 1986 (Getty)

نتفاجأ حين نقرأ قصص فريدريش دورينمات (1921 - 1990) السويسري الذي كان في وقته أحد أقطاب المسرح العالمي، فكاتب "زيارة السيدة العجوز" و"رومولوس الكبير" هو بين أهمّ كتّاب المسرح؛ فهو قطبُ مسرح العبث الذي ساد المسرح آنذاك. وإذا تذكّرنا هذا المسرح جاز لنا أن نتذكّر قطباً مغموراً اليوم بين مبدعيه الأوائل، هو جورج شحادة الذي منح مسرح اللامعقول أو العبث شاعرية أصيلة.

لسنا الآن بصدد مسرح العبث ولا مسرح دورينمات نفسه. ما يهمّنا الآن دورينمات كاتب القصص، وما يهمُّنا أكثر هو قصّة قصيرة ترجمها سمير جريس عن الألمانية، وضمّنها كتاباً حوى عدداً من قصص دورينمات. عنوان الكتاب مستمَدّ من إحدى قصصه التي هي مفاجأتنا "أبو حنيفة وأنان بن داوود". إنه حقّاً أبو حنيفة الفقيه الإسلامي الأشهر ومؤسّس أحد المذاهب الأربعة الذي حمل اسمه. أمّا أنان بن داوود فهو، بعد البحث، الفقيه عنان بن داود، وبالطبع حافظ المترجم على اللفظ الألماني لاسم الرجل.

أن يختار كاتبٌ سويسري في وزن دورينمات أبا حنيفة شخصيةً لإحدى قصصه فهذه حقّاً مفاجأة لقارئ عربي، لكن الترجمة التي صدرت في كتاب عام 2004 لم تستوقف القرّاء والباحثين العرب، ولم تستفزهم إلى البحث والنقد. ذلك يعيدنا غالباً إلى ما نلاحظه من قلّة القراءة والتواكل الثقافي وضعف الانتباه في الساحة الثقافية، فدورينمات ليس مجهولاً للقرّاء العرب وسبق أن تُرجم مراراً، وهو حاضر كاسم وكاتب، واستمداده لواحدة من قصصه من التراث العربي، أمر كان ينبغي أن يحرّك شيئاً في النقد الأدبي، أو في غيره من المجالات.

أمرٌ كان ينبغي أن يحرّك شيئاً في النقد الأدبي العربي

يفاجئنا هذا الإهمال وذلك الجمود تجاه أمر لافتٍ إلى هذا الحد، إذا علمنا أن قصّة دورينمات مبنية على أصل تراثي حقيقي عربي، فقد سبق لأبي حنيفة أن التقى بعنان في السجن الذي بقي فيه أبو حنيفة. كان أبو حنيفة في سجن الخليفة بعد أن أيّد ثورة "ذي النفس الزكية"، ورفض أن يتولّى القضاء كما طلب منه أبو جعفر المنصور. سبق لأبي حنيفة أن دخل السجن حينما أيّد ثورة زيد بن علي. كان أبو حنيفة من أئمة الإسلام، ومن مؤسّسي مذهب يرجع إلى اسمه، لكن حياته التي كلّفته السجن مرّتين توفي في إحداهما، حياة تستحق اهتماماً أدبياً لم نلحظه. وإذا كان دورينمات بادر إلى ذلك، فإننا نفتقد أمراً كهذا في أدبنا.

لم يكن عنان الفقيه اليهودي هناك لسبب آخر فقد سيق إلى السجن بإيعاز من أخيه، منافسه على رئاسة الجالوت. كان في السجن أيضاً لأنه اختطّ لنفسه مذهباً في اليهودية تأثّر بأبي حنيفة وبالفكر المعتزلي وبالسجال الإسلامي آنذاك. سعى أبو حنيفة الى إخراجه من السجن، ولقّنه الحجج التي ينبغي أن يسوقها للدفاع عن نفسه، وقد أقنع ذلك سجّانيه فأخرجوه من السجن، فيما بقي أبو حنيفة فيه إلى أن توفّي. أسّس عنان في اليهودية مذهب القرّائين أو العِنانية، وهو مذهب ينكر التلمود ويقتصر على التوراة. منذ ذلك الحين والقرّائية تكاد تكون مذهباً مستقلاً في اليهودية. بقي الأمر هكذا إلى أيامنا هذه، حيث لا تعترف اليهودية التلمودية السائدة والمسيطرة بهذه الفرقة التي اختطت لنفسها تاريخاً مستقلاً.

في رواية دورينمات نجد الأصل التاريخي للقاء في السجن، وخروج عنان منه وبقاء أبو حنيفة فيه. لكن الرواية سرعان ما تشطح عن الأصل التاريخي، فتروي بأسلوب اللامعقول أن عنان بقي في تجواله قروناً إلى أيامنا هذه، وتتابعت عليه الحِقب والتواريخ، إلى أن عاد أخيراً بصدفة غريبة إلى سجنه الأول، حيث التقى مجدّداً بأبي حنيفة الذي كان أيضاً ما زال حياً خارج الزمن وخارج الأصول. هذه المرّة يشعر عنان وأبو حنيفة أنّ هذا المكان مقدّس، ومن هنا يمكن مخاطبة الله وسماعه.

لم تحمل قصّة دورينمات موقفاً سياسياً بالطبع، لكن اختيار عنان المكروه يهودياً، والذي فوق إنكاره للتلمود أسّس على ذلك فرقة سايرت البلشفية، بل سايرت النازية، وكان لها تاريخها المستقل عن تاريخ الغيتو اليهودي. اختيار عنان مقابل أبي حنيفة صاحب القياس والفقيه الحر ليس عبثاً. لقد اختار بالتأكيد الوجه العقلاني لكلّ من الديانتين والثقافتين.

دورينمات الذي لم يكن متطرّفاً ولا ثائراً، يقودنا مع بطليه إلى المهد الأول، إلى السجن الأول الذي استحال مقدَّساً وموضعاً للتجلّي الإلهي. ألا يجعلنا ذلك نفكّر في القدس. ألن يكون هذا المهد الأول القدس بل فلسطين نفسها. لقد عاد عنان إلى ذلك المكان، بعد أن جال في التاريخ وفي الكون، عاد ليجد الله هناك. أليس هذا انتصاراً للروح على التاريخ، للقدس على التاريخ.

 

* شاعر وروائي من لبنان