حليم جرداق.. الأرشيف فحسب

02 اغسطس 2020
الصورة
(حليم جرداق)

قبل أيام رحل حليم جرداق، الرسّام اللبناني، عن 93 عاماً، أمضى الحقبة الأخيرة منها في انعزال وصمت، بحيث غاب اسمه تقريباً، لذا كان من الطبيعي أن يبدو غيابه اتهاماً ضمنياً للمجتمع الثقافي الذي أهمله، أو على الأقل كان هذا هو الحافز لعودته الى دائرة الاهتمام فوجدنا صوره تُتداول والمعلومات عنه تُستعاد في الصحف ووسائل الاتصال الاجتماعي.

يمكننا أن نفهم من هذه التعليقات أنّ الفنان المولود 1927 في بلدة عين سعادة في منطقة المتن في لبنان، أمضى حياة طويلة في انشغال فنّي انتقل فيه من الجامعة الأميركية إلى الأكاديمية الفنية إلى فرنسا، وبالطبع كانت عينه على زمنه فكان أن نقل إلى لبنان فن "الكولاج" أو اللصق الذي يجمع بين القص والإلصاق لمقتطفات من مطبوعات أو أشياء ملتقطة بعامة. كان ذلك بالتأكيد جديداً على الفن في لبنان، وقد يكون جديداً على الفن في البلاد العربية، بيد أن الذين أشاروا إلى ذلك وأكّدوا عليه، لم يتوقّفوا كثيراً عند ماهية هذا الكولاج، ولا هم ذكروا أسلوبه وميزاته وخواصه، فكان أن بقينا عند عنوان واحد هو ريادة جرداق لهذا الفن، بقينا عند ما يشبه الأرشفة. هكذا لم تكن الصحوة على حليم جرداق، حتى بعد وفاته، أكثر من تعداد.

الصورة
حليم جرداق2 - القسم الثقافي

الأهم في استعادة فن حليم جرداق كان في ردّه، في مرحلة من فنّه، إلى مدرسة "الكوبرا" وإلى علمها كارل أبل. هنا لا نخرج عن الأرشفة والتاريخ، لكن مدرسة الكوبرا ليست حاضرة في خلفية فنوننا. قد نجد بسهولة الانطباعية والتعبيرية وبيكاسو والتجريد، لكننا لا نمر على مدرسة الكوبرا التي لا شك في أنها أثّرت بمقدار في أعمال بعض فنّانينا. لكن المدرسة التي تجاوزت التعبيرية في شطحها اللوني، وفي ذهابها بعيداً في المفارقات اللونية، وفي العودة الى ما يشبه الفن الساذج، هذه المدرسة قلّما تظهر في سيرنا وتواريخنا الفنية. أمرٌ آخر يُنسب الى حليم جرداق هو ريادته أيضاً لفن الحفر "الغرافيك"، لكننا هنا أيضاً نقف عند التاريخ والأرشفة، ولا نتوقّف، ولو لهنيهة، عند محفوراته نفسها.

لم تكن الصحوة عليه، حتى بعد رحيله، أكثر من تعداد

نحن إذن ما زلنا في الأرشيف. الأمر نفسه يتكرّر حين يُنسب الى حليم جرداق، على سبيل المديح، أنه جمع بين شتّى المدارس والمذاهب الفنية، فكان في آن واحد تعبيرياًِ ووحشياً وتكعيبياً وتجريدياً. هذا الجمع بين مدارس متباعدة ومختلفة، وهذا التداول لمختلف الأساليب، بالإضافة طبعاً إلى الكولاج والحفريات، لا نعرف في أي خانة يمكن وضعه، بل لا نعرف إذا كان ممكناً فعلاً ردُّه إلى الإبداع والقوّة. هذا الجمع وهذا التعاقب على مدارس وأساليب، دارجان في الفن اللبناني. لطالما وجدنا فنّانين يجمعون بين مدارس واتجاهات تخترق التاريخ الفني بطوله وعلى مداه. نجد لدى الفنان الواحد فناً أكاديمياً وتعبيرياً وبيكاسوياً وتجريدياً من مختلف أساليب هذه المدارس، هذا، لا أدري إذا أمكن أن نردّه الى الإبداع والقوّة، إذ يتراءى لي أن هذا الانتماء إلى الفنّ كلّه، وإلى مختلف حقبه ومدارسه في عمل الفنان الواحد، أبعد ما يكون بالطبع عن الإبداع، بل وعن الأسلوب والشخصية الفنية، وما ندعوه بلغة أخرى "الأصالة".

الصورة
حليم جرداق - القسم الثقافي

هذه الكوسموبوليتية الواسعة، قد لا تنمّ إلّا عن سهو عن زمن الفن وعن الأسلوب الخاص والشخصية الفنية. ليس في هذا التنقُّل بين مختلف العصور ومختلف الأساليب والمدارس، سوى تناول ساذج معزول عن الزمن، وبالتالي فإنه لبعيد للغاية أن نجد فيه ابتكاراً وأسلوباً وشخصية فنية. نحن في هذه الحال لا نزال في الهواية ولا نزال في التمرين، وما ينتج عن هذا الانفلاش الفني فن هواة ومتمرّنين.

هذه الكوسموبوليتية هي أحياناً من وجوه الفن اللبناني الذي، هو، في أحيان كثيرة لا يرجع الى الزمن وإلى الشخصية وإلى الرؤية الخاصة وإلى الإبداع والابتكار الخاصين وإلى الطابع الفردي، بل يتعامل مع تاريخ الفن على أنه مسار واحد، وعلى أنه متاح كلّه، وكلّه أمام العين، وشتّى المدارس هي اقتراحات دائمة ومثالات حاضرة. هكذا نصل أحياناً إلى فن بلا سمات ولا خواص ولا نكهة أو أفق، أي إلى فن مفتقد الأصالة. هكذا نكون رهن عالمية زائفة، وبالطبع لن يكون الفن الذي يصدر عن ذلك سوى تمارين بلا حضور، ونسخ فحسب.

كان مهمّاً جدّاً قراءة فن جرداق لا أرشفته. لقد تذكّروه ولكن استعادوه من الأرشيف فحسب. كان مهمّاً التوقّف عند مراحل فنّه التي هي أكثر من اتباع لمدارس وأساليب، بل كان فيها الكثير من الأسلوب والكثير من الشخصية.


شاعر وروائي من لبنان